22.05.2017

حل العصرانية الديمقراطية في أزمة الشرق الأوسط

يَكفي فقط التحلي بكرامةِ وعزّةِ العيشِ في بلدٍ حرٍّ ومجتمعٍ ديمقراطيِّ لدرجةِ العشقِ والهيام

 

 

 

 

 

 

عبدالله اوجلان

 

الظواهرُ الاجتماعيةُ مرنة. ولَطالما تتواجدُ احتمالاتِ الحلِّ التعدديِّ حتى في أكثرِها إشكاليةً وتعقيداً. بينما تنبعُ المشكلةُ من مدى ارتباطِ المخططاتِ التي ستُسنَدُ الحلولُ إليها بالحقيقةِ الاجتماعية. إذ يستحيلُ قياسُ الظواهرِ الاجتماعية، أو ربطُها بقواعد وقوانين كأيةِ ظاهرةٍ فيزيائيةٍ أو كيميائية. فالفردُ المتمتعُ بالحقيقة، ما يُحَدِّدُه هو المجتمع. حيث لا يُمكنُ فهمُ أيِّ فردٍ أو مُنادٍ بالحقيقةِ بمنوالٍ متغاضٍ عن المجتمعيةِ التي ينتمي إليها. لهذا السببِ بالذات، ورغمَ كونِ السوسيولوجيا علماً برزَ إلى المسرحِ متأخراً، إلا إنها تحتلُّ الصدارةَ في لائحةِ العلومِ التي تشعرُ مِراراً وتكراراً بتكريسِ قُدُراتِها وكفاءاتِها. فمن دونِ فهمِ المجتمعات، محالٌ صياغةُ حلولٍ ذاتِ مستوى عالٍ من الحقيقةِ بصددِ القضايا التي تعاني منها. هذا وثمة حاجةٌ أكبر لإدراكِ المجتمعاتِ للحقيقة، في سبيلِ التمكنِ من استيعابِ الأزماتِ الاجتماعية. ولحظاتُ الأزمةِ والبُحران، هي لحظاتُ تضعضُعِ المجتمعات، وبالتالي هي اللحظاتُ التي تتعرضُ فيها حقائقُها للتغير. كما من غيرِ الممكنِ تحليلُ الأزمةِ بوساطةِ المعارفِ المركونةِ إلى المجتمعِ القديم، والتي عادةً ما تَكُونُ من النوعِ الميثولوجيِّ والدينيِّ والحكمة. وعليه، فمن المحالِ طرحُ بدائل صائبةٍ في الحلّ، ما دامَ العجزُ يطغى على التحليل. وما سيُحَدِّدُ الحلَّ في المحصلة، هو مستوى الحقيقةِ التي يَشتملُ عليها. وبتعبيرٍ آخر، ما يُحَدِّدُ النجاحَ في الممارسةِ الاجتماعية، هي مدى قوةِ الحقيقةِ التي تحملُها بين ثناياها. أما الحقيقةُ بذاتِها، فهي مدى قدرةِ التعبيرِ عن قوةِ المعنى والحياةِ اللتَين تحتضنُهما الظاهرةُ الاجتماعيةُ بين طواياها. أي إنّ التعابيرَ التي ترتفعُ فيها نسبةُ الحقيقة، متعلقةٌ بمدى تمثيلِ الظاهرةِ الاجتماعيةِ لقوةِ المعنى والحياةِ اللتَين تحتويهما.

يتأتى غزوُ الحداثةِ الرأسماليةِ للشرقِ الأوسطِ في نهايةِ المآلِ من تفوُّقِ تمثيلِ الحقائقِ الذي تشتملُ عليه مجتمعيتُها إزاء المجتمعياتِ الكائنةِ في المنطقة. حيث إنّ ممثلي الحقيقةِ في الثقافةِ الشرقِ أوسطية، التي باتت في حالةِ المجتمعِ التقليديِّ حيال الحداثةِ الرأسمالية، كانوا قد انجرّوا نحو وضعٍ لا يُمكنُ أنْ يحالفَه الحظُّ فينجح في وجهِ حقائقِ الحداثة. وباختصار، فالحقيقةُ الشرقيةُ كانت واهنةً ومحكوماً عليها بالهزيمةِ مقابل الحقيقةِ الغربية. ما كان بالمقدورِ تعميمُ الهزيمةِ على المجتمعِ برمتِه. ذلك إنّ المغلوبين على أمرِهم كانوا الممثلين الرسميين للحقيقة، أي أصحابَ السلطةِ والدولة. فالحقيقةُ السائدةُ كانت تلك التي قاموا هم بتمثيلِها. وعليه، فالهزيمةُ طالَت جميعَ المؤسساتِ الفوقيةِ والتحتيةِ التي أوجَدَت نظامَ دولتِهم. وفي حالِ لَم يَستَمِتْ المهزومون في المقاومة، فسيصبحون مُرغَمين على العيشِ تابعين للقوةِ المهيمنةِ في ظلِّ تمثيلِ الحقيقةِ الجديدة. وهكذا، فليس بمقدورِ تلك القوى أنْ تحددَ مسارَ الذهنيةِ وإرادةَ الحياةِ في مجتمعاتِهم. بل باتت مُكَلَّفةً بتقديمِ خدماتِها بوصفِها مؤسساتٍ عميلةً ومتواطئةً مع القوةِ المهيمنة، وذلك مقابل ضمانِ حياتِها. لكنّ ما خَلَّفَته وراءَها هو جسَدٌ اجتماعيٌّ يتخبطُ في مكانِه، كما البدنُ المبتورُ رأسُه. ومثلما ذكَرنا آنفاً، فإما سيُصابُ بالتفسخِ والتحللِ حصيلةَ ذاك التخبطِ العقيم، لينصهرَ في بوتقةِ المجتمعيةِ الجديدةِ للحداثة، أي في أروقةِ سلطتِها، فيَفنى ويزول؛ أو أنْ ينطلقَ من طابعِه المرنِ ليُبديَ عزمَه على الحياةِ الحرةِ المبنيةِ على ذهنيةٍ حرةٍ فيما يتعلقُ ببدنِه الذي يأبى الاستسلام، أي أنْ يحققَ انطلاقتَه بذهنيةٍ أكثر حريةً للنفاذِ من المأزق. لا ريب أنّ الانطلاقةَ بريادةِ هذه الذهنيةِ الجديدةِ متعلقةٌ بنسبةِ الحقيقةِ الجديدةِ التي يَحملُها بين ظهرانَيه. فالعلمُ والفلسفةُ والفنُّ والأيديولوجيا والإنتاجُ الاقتصاديُّ الجديدُ الذي يتعدى نطاقَ العلمِ والفلسفةِ والفنِّ والأيديولوجيا والإنتاجِ الاقتصاديِّ الذي مَكَّنَ الحداثةَ الرأسماليةَ من الغزو، سوف يُعَيِّنُ نجاحَ تلك الانطلاقة. وهذا ما يعني بدورِه حداثةً جديدة. والمجتمعُ الذي يتوجهُ من المجتمعِ التقليديِّ المهزومِ صوبَ الغَلَبةِ والنصر، بمقدورِه – هو فقط – أنْ يحققَ خروجاً موفقاً من الأزمةِ اعتماداً على حداثةٍ بديلةٍ تتخطى نطاقَ الحداثةِ الرأسمالية.

انحلَّ مجتمعُ الاشتراكيةِ المشيدةِ وانهار، نظراً لعجزِه عن تصييرِ نفسِه حداثةً مختلفة، مثلما لَم يتمكنْ من تجاوُزِ مكوِّناتِ الحداثةِ الرأسماليةِ الثلاثة. دعْ تجاوزَها جانباً، بل واتجهَ صوب المغالاةِ في استخدامِها عن طريقِ الرأسماليةِ البيروقراطية. وفي النتيجة، لَم تستطعْ البنى الاجتماعيةُ التي أنشأَها تَجَنُّبَ الهزيمةِ والانحلال، نظراً لبقاءِ نسبةِ الحقيقةِ التي احتوَتها أكثر ضعفاً من حصةِ الحداثةِ الرأسماليةِ الليبراليةِ من الحقيقة. المغلوبُ على أمرِه هنا كان الرأسماليةَ البيروقراطيةَ تجاه الرأسماليةِ الليبرالية. فكيفما لَم تتمكنْ الرأسماليةُ البيروقراطيةُ من هيكلة نفسِها كحداثةٍ مختلفة، فإنها لَم تَرتَقِ بنفسِها حتى إلى مستوى حداثةٍ رأسماليةٍ جديدةٍ تتخطى مستوى الحداثةِ الرأسماليةِ الليبرالية. لكنّ الحركاتِ السلطويةَ والدولتيةَ التي بالوسعِ تعريفُها بالحركاتِ الزائغةِ والضالّة، هي ظواهرٌ منحرفةٌ ومستوى الحقيقةِ فيها أكثر تخلفاً بكثير مما عليه الاشتراكيةُ المشيدة، وغيرُ عاجزةٍ عن الخلاصِ من تَكَبُّدِ الهزيمةِ بالرغمَ من تفوُّقِها الأيديولوجيّ. فالبنى الأيديولوجيةُ والاجتماعيةُ التي غالباً ما تقدِّمُ نفسَها على أنها الشكلُ المستَحدَثُ لكلٍّ من التقاليدِ السُّنِّيّةِ في جامعةِ الأزهر بمصر، والتقاليدِ الشيعيةِ في المدارسِ الكائنةِ في مدينةِ قُم  بإيران، لا يُمكنُها بحصصِ الحقيقةِ التي تحتويها أنْ تبلغَ حتى عتبةَ الحداثةِ الرأسماليةِ الليبرالية. ورغمَ هذا الكمِّ من جهودِها المبذولةِ ومقاوماتِها المُخاضة، إلا إنها لن تستطيعَ إنقاذَ نفسِها من الهزيمة، حتى لو وحَّدَت صفوفَها جميعاً في وجهِ إسرائيل، التي تُعَدُّ النواةَ المهيمنةَ للحداثةِ الرأسماليةِ الغربية. والسببُ في ذلك لا يَعودُ إلى الأسلحةِ النوويةِ أو التفوقِ التكنولوجيِّ الذي تتمتعُ به إسرائيل، بل يرجعُ في آخرِ المطافِ إلى نسبةِ الحقيقةِ التي يحملُها القطبُ المضادّ. فمستوى الحقيقةِ التي نظَّمَتها إسرائيل، يزيدُ أضعافاً مضاعفةً عن مُجمَلِ المُضادين لها. وعلى الرغمِ من عدمِ التشكيكِ في تطلعِ تلك البنى إلى عرضِ نفسِها كعالَمٍ مختلف، فلا يُمكنُها طرحُ مزاعمِ ذاك العالَم، أو الزعمُ بحقِّها في تمثيلِ حياةٍ اجتماعيةٍ – وبالتالي حداثةٍ – جديدةٍ ذاتِ مستوى عالٍ من الحقيقة؛ إلا عندما تتجاوزُ العالَمَ الرأسماليَّ الحديثَ على صعيدِ مستوى الحقيقة. وفي حالِ غيابِ ذلك، فلن تذهبَ مزاعمُ حداثةٍ مختلفةٍ أبعدَ من كونِها طموحاتٍ جوفاء. ولَربما تَغدو في أفضلِ الأحوالِ نسخةً مشتقةً من التقاليدِ التي تتقمصُ قناعاً حديثاً. وباقتضاب، فطرحُ التقاليدِ الثقافيةِ الإسلاميةِ على أنها حداثةٌ مغايرة، إنما هو انهماكٌ لا يختلفُ بشيءٍ عن المُخادِعين والمُرائين الذين يُعِدُّون نسخةً زائفةً مطابِقةً للتُّحَفِ القديمةِ ويبيعونها. ونخصُّ بالذِّكرِ السلطةَ الإيرانيةَ الرسميةَ الراهنةَ ومزاعمَها التي تطرحُها بشأنِ الحداثةِ في هذا المنحى، والتي لا معنى لها بحالتِها القائمةِ سوى التضليل؛ وبالتالي لا يُمكنُها تقديمُ فرصةِ الحياة.

على ضوءِ هذه الانتقادات، صار بوسعِنا صياغةُ تعريفٍ أكثر صواباً بشأنِ العصرانيةِ الديمقراطية، التي عملنا على طرحِها للنقاشِ في أولِ مرافعةٍ دَوَّنّاها في إمرالي. ويجب أولاً النظرُ بعينٍ سليمةٍ إلى انتقادِ العصرانيةِ الديمقراطيةِ للاشتراكيةِ المشيدة. فهو لا يعني دحضَ الاشتراكية، ولا قبولَها بشكلٍ دوغمائيٍّ وقالبيّ. بل إنه يحللُها بصفتِها تجربة، ويمتصُّ من صُلبِها حقيقةَ الحداثةِ المناهِضةِ للرأسمالية. وهو يستفيدُ نظرياً وعملياً من ميولِ مناهَضةِ الحداثةِ التي في الاشتراكيةِ المشيدة، ويتخطى مساوئَها، ويتبنى محاسنَها. كما إنه يَصوغُ التحليلَ العلميَّ للثقافةِ التقليديةِ في الشرقِ الأوسط، مُستحدِثاً بذلك الحقيقةَ الكامنةَ فيها، لِيُصَيِّرَها أهمَّ المرجعيات. العصرانيةُ الديمقراطيةُ ليست مجردَ يوتوبيا معنيةٍ بالمستقبل، بل تضربُ جذورُها في أعماقِ التقاليدِ الثقافيةِ المُعَمِّرةِ آلافاً من السنين. والحقيقةُ الراهنةُ لهذه الثقافةِ هي مجتمعُها الحاليّ، الذي هو واقعٌ قائمٌ بذاتِه، مهما تُرِكَ يتخبطُ في العقمِ واللاحلّ واليأس. ونظراً لكونِه واقعاً قائماً، فإنّ له نصيباً هاماً من الحقيقةِ أيضاً. وتحليلُه يعَبِّرُ عن ذاك النصيب. هذا ويتعينُ عدم الخلطِ بين التقاليدِ والنزعةِ المحافِظة. ذلك إنّ النزعةَ المحافظةَ من حيث هي تعصبٌ وتزمت، لا تشيرُ إلى التقاليدِ الاجتماعيةِ بعينِها، بل هي في حقيقةِ الأمرِ ممثلةُ التقاليدِ السائدةِ المغلوبِ على أمرِها، والتي تجهدُ للصمودِ في وجهِ الليبرالية. كما ويستحيلُ الحديثُ عن عصرانيةٍ ديمقراطيةٍ لا تربطُ جذورَها بالتقاليد. فالتقاليدُ الاجتماعيةُ هي الواقعُ التاريخيُّ للعصرانيةِ الديمقراطية. وبما أنه لا مجتمع من دونِ تاريخ، فلا عصرانية ديمقراطية أيضاً من دونِ تاريخ.

يتحتمُ تَبَنّي انتقاداتِ الحركاتِ الأيكولوجيةِ والفامينيةِ بصددِ الحداثةِ الرأسمالية. فالأيكولوجيا مناوئةٌ للرأسماليةِ بالأصل، باعتبارِها علمَ البيئةِ التي ضحَّت بها الصناعوية؛ وإحدى أهمِّ المصادرِ التي لا غنى للعصرانيةِ الديمقراطيةِ عنها. والانطلاقةُ الفامينيةُ قَيِّمةٌ بما يتماشى ومساهمتَها في حقيقةِ المرأة، على الرغمِ من كلِّ نواقصِها. والعصرانيةُ الديمقراطيةُ بذاتِ نفسِها أيضاً تُصَيِّرُ نفسَها حقيقةً بالتأسيسِ على تحليلِ حقيقةِ المرأة بالتحديد. وإلى جانبِ ذلك، فهي تتعاطى مع الحركةِ الفامينيةِ وانتقاداتِها لتجعلَها عنصراً لا غنى عنه لديها. كما إنها تَضمُّ المرأةَ الحرةَ إلى نظامِها بصفتِها المكوِّنَ الأساسيَّ للحياة.

يغدو الجزمُ بمصيرِ الحداثةِ الرأسماليةِ ضمن ثقافةِ الشرقِ الأوسطِ أمراً سهلاً، على هدى النقاشاتِ والنزاعاتِ الدائرةِ بصددِ الحداثة. وتشيرُ كلُّ التحليلاتِ التي صِغناها إلى استحالةِ تحديدِ هذا المصيرِ تلقائياً. بل لن يتحققَ تجاوزُ الحداثةِ الرأسمالية، إلا بمشاريعِ حداثةٍ بديلةٍ أقوى منها من حيث عزيمتِها بشأنِ الحقيقة. وهذا ما لن يتحققُ إلا بقيامِ العصرانيةِ الديمقراطيةِ بعرضِ قوةِ الحلِّ التي تتحلى بها مقوماتُها الأساسية، وذلك من خلالِ توجيهِ انتقاداتِها إلى مرتكزاتِ الحداثةِ الرأسماليةِ الرئيسية؛ وتوحيدِ تلك الانتقاداتِ مع انتقاداتِها التي وجَّهَتها إلى كلٍّ من الثقافةِ التقليديةِ والاشتراكيةِ المشيدةِ والحركاتِ الأيكولوجيةِ والفامينيةِ بصددِ عجزِها عن تخطي الحداثةِ الرأسماليةِ رغمَ مناهَضتِها إياها. وإذ ما قمنا بتكييفِ كلِّ ما ذُكِرَ بشأنِ هذه المواضيع، وإسقاطِه على الأزمةِ الاجتماعيةِ التي يعانيها الشرقُ الأوسط؛ فسنتمكنُ من الجزمِ بماهيةِ احتمالاتِ الحلّ.

a-  نظريةُ الأمةِ الديمقراطيةِ هي العنصرُ الحلاّلُ الرئيسيُّ في العصرانيةِ الديمقراطية. ففيما عدا نظريةِ الأمةِ الديمقراطية، ما من نظريةٍ اجتماعيةٍ أخرى قادرةٍ على إعادةِ توحيدِ صفوفِ المجتمعِ البشريِّ العالميِّ وإحيائِه ضمن أجواءٍ مفعمةٍ بالحرية، بعدَما قَطَعَت نظريةُ الدولةِ القوميةِ للحداثةِ الرأسماليةِ أوصالَه كالقَصّاب. فالنظرياتُ الاجتماعيةُ الأخرى لا تستطيعُ من حيث معناها الذهاب أبعد من أداءِ دورٍ هامشيٍّ إزاء القضايا الراهنةِ العالقة. أما النظرياتُ الليبراليةُ الرأسماليةُ، فهي غيرُ قادرةٍ على فعلِ شيء، عدا مُداواةِ المريضِ بالسرطانِ البيولوجيِّ بإعطائِه أدويةً لإطالةِ عمرِه؛ بدلاً من حلِّ الأمراضِ المزمنةِ والسرطانيةِ التي سَلَّطَتها الرأسماليةُ على البشرية، وتأمينِ الشفاءِ العاجلِ للمجتمع. بمعنى آخر، فجميعُ الحلولِ التي تقترحُها تلك النظريات، تُفاقِمُ من القضايا وتُضَخِّمُها، وتُطيلُ من عمرِ الحداثةِ الرأسماليةِ أكثر. والمتغيراتُ الحاصلةُ في الشرقِ الأوسطِ خلال القرنِ الأخير، تؤكدُ صحةَ حُكمِنا هذا بأحسنِ صورة. فمجتمعُ الشرقِ الأوسط، الذي أنشأَ حياةً مؤطَّرةً بتكاملٍ ثقافيٍّ يمتدُّ على مدى التاريخ، بل يَعودُ إلى ما قبل عشراتِ آلافِ السنين؛ قد قُطِّعَت أوصالُه في غمارِ اللهيبِ الحارِّ للحربِ العالميةِ الأولى على يدِ قوى الحداثةِ الرأسماليةِ الأشبَه بالقَصّاب، لِيُترَكَ بعدَها لإنصافِ الوحوشِ المسماةِ بالدولِ القومية. وفعلاً، وباعتبارِ الدولِ القوميةِ أكثرَ الحالاتِ العينيةِ لـ اللوياثان الذي يَرِدُ ذِكرُه في الكتابِ المقدس، والذي يُطابَقُ بينه وبين الدولة؛ فإنها لَم تتخطَّ في دورِها إطارَ تمزيقِ وابتلاعِ الحقائقِ الاجتماعيةِ عن طريقِ ممارساتِ الكذبِ والرياءِ المسماةِ بالسياسةِ الداخليةِ والخارجية. أما الشيءُ الذي أَطلَقوا عليه اسمَ "المجتمعِ القوميِّ الحديث"، فما كان إلا تمديداً للثقافةِ الاجتماعيةِ ذاتِ الزخمِ الكبيرِ من إرثِ التاريخِ المتكاملِ على طاولةِ عملياتِ الإبادةِ والإنكار، بعدَ تشريحِها وتقطيعِها إرباً إرباً. وهكذا اعتَبَروا أنفسَهم ناجحين بقدرِ ما قاموا بتقطيعِ وإنكارِ وإبادةِ التاريخِ والثقافةِ الاجتماعية. بمعنى آخر، فالدولُ القوميةُ التي أدت دورَ القَصّابين المُستَخدَمين لدى الحداثةِ الرأسمالية، اعتَبَرَت نفسَها موفقةً وسعيدةً إزاء أسيادِها الجدد، توازياً مع نجاحِها في إنكارِ الماضي وإبادتِه، وإحلالِ العقلياتِ الاستشراقيةِ والمؤسساتِ العمليةِ للنظامِ القائمِ محلَّه. أما انقساماتُ الدولةِ القوميةِ خلال القرنِ الأخيرِ على صعيدِ ثقافةِ الشرقِ الأوسط، والممارساتُ المسماةُ بالسياسةِ الداخليةِ والخارجية؛ فهي عبارة عن حركاتِ إبادةٍ على وجهِ العموم. فما فُرِضَ عيشُه بدءاً من الذهنيةِ وحتى عالَمِ الاقتصاد، إنما هو تمزيقٌ للواقعِ المتكامل، ومَضغُه من قِبَلِ عناصرِ الحداثةِ الرأسماليةِ كي يغدوَ جاهزاً للبلع. والأحداثُ الجاريةُ في عراقِ اليومِ فحسب، عامرةٌ بالعِبَرِ والعِظاتِ المُثلى من أجلِ تقييمِنا للقرنِ الأخير.

نظريةُ الأمةِ الديمقراطيةِ تعني قبلَ كلِّ شيءٍ وقفَ حركةِ تمزيقِ الوحدةِ الثقافيةِ وتقطيعِها على نمطِ القصّاب، أي وقفَ الدولتيةِ القومية؛ والتخطيطَ للعالَمِ الذهنيِّ اللازمِ لعودةِ البدءِ بالوحدةِ المتكاملة. هذا وتُضفي نظريةُ الأمةِ الديمقراطيةِ قيمةً مبدئيةً على توحيدِ العالَمِ الثقافيِّ للشرقِ الأوسطِ تحت ظلٍّ مصطلحِ "اتحاد الأمم الديمقراطية"، وتُنيطُه بالأولوية. أي إنّ عالَمَنا الثقافيَّ المُنشَأَ على مرِّ عصورِ التاريخِ قاطبة، والذي يتميزُ بالتكاملِ والوحدةِ بكلِّ ما تشتملُ عليه من تنوعٍ وفير؛ يتحتمُ عليه رصُّ صفوفِه وتوحيدُها في كنفِ هذا المصطلحِ كبديلٍ للحداثةِ الرأسمالية. فلنُلقِ نظرةً خاطفةً على القرنِ الأخير: لقد تحوَّلَ المجرى صوبَ التمزقِ والانقسامِ المستمر. فالقومُ العربيُّ لَم ينقسمْ إلى اثنتَين وعشرين دولةً قوميةً فقط. بل وانقسمَ إلى مئاتِ العقلياتِ والتنظيماتِ والقبائلِ والمذاهبِ المتضادةِ والمتنافرةِ فيما بينها، والمتجسدةِ ميدانياً كدوَيلاتٍ قوميةٍ بدئية. وهذه هي غايةُ الفلسفةِ الليبراليةِ بالمعنى الاستعماريّ. فآفاقُ الفرديةِ الرأسماليةِ وقدُراتُها لانهائيةٌ في تذريرِ المجتمعِ وتشتيتِه. بناءً عليه، فنظريةُ الأمةِ الديمقراطيةِ تُعَبِّرُ عن التكاملِ المبدئيِّ الأساسيِّ على الدربِ المؤديةِ إلى إعادةِ تكريسِ الوحدةِ العامرةِ بروحِ الحريةِ والديمقراطية.

لن أستفيضَ في شرحِ مضمونِ نظريةِ الأمةِ الديمقراطية، نظراً لتحليلي إياها في المجلَّداتِ الأخرى من مرافعتي. باختزال، وللتحولِ إلى أمة، فهي ترتأي مفهومَ الأمةِ التي لا تتميزُ بالحدودِ السياسيةِ الصارمة، والتي تُمَكِّنُ من إنشاءِ مجموعاتٍ وطنيةٍ عليا مؤطَّرةٍ باتحاداتٍ متنوعةٍ من مختلفِ الأممِ التي تقطنُ نفسَ الأماكن، بل ونفسَ المدنِ أيضاً. وبهذا المنوالِ تجعلُ المجموعاتِ الوطنيةَ الكبرى والمجموعاتِ والأقلياتِ الوطنيةَ الأصغرَ منها، والتي أُلِّبَت على بعضِها بعضاً، تجعلُها متساويةً وحرةً وديمقراطيةً تحت لواءِ الاتحاداتِ الوطنيةِ عينِها. وتطبيقُ هذا المبدأِ لوحدِه، يكفي لإفراغِ سياساتِ "فرِّقْ – تَسُدْ" و"اهرب أيها الأرنب، وأَمسكْ به يا كلبَ الصيد" التي يتَّبِعُها النظامُ المهيمن. إنّ القيمةَ الباعثةَ على السلامِ والحريةِ والمساواةِ والديمقراطيةِ ضمن هذا المبدأِ الثابت، تُبرهنُ بجوانبِها هذه لوحدِها دورَها الحلاّلَ المتفوقَ القادرَ على إفراغِ جميعِ الممارساتِ الحربيةِ والاستعباديةِ والطبقيةِ والاستبداديةِ الفاشيةِ للدولتيةِ القومية. إذ لا يُمكنُ وضعُ حدٍّ نهائيٍّ لقومويةِ الدولتيةِ القوميةِ الواحديةِ وذاتِ الفكرِ المطلق، إلا بوساطةِ ذهنيةِ الأمةِ الديمقراطية. إنها النظريةُ والمبدأُ الأنسب، ليس فقط من أجلِ الحدِّ من انقسامِ العربِ وتمزقِهم اللامتناهي، بل ومن أجلِ وقفِ انقسامِ الأتراكِ وتجزؤِهم اللامتناهي أيضاً. فما شهدَه العالَمُ التركيُّ في العديدِ من أصقاعِ المعمورةِ من البلقانِ إلى القوقاز، ومن آسيا الوسطى إلى الشرقِ الأوسط، وما عاناه من انقسامٍ وتشتتٍ وعبادةٍ عمياء لإلهِ الدولتيةِ القومية، وتكالبٍ على بعضِه بعضاً على خلفيةِ العقلياتِ الميتافيزيقيةِ والوضعيةِ الاستشراقية؛ كلُّ ذلك لا يُمكنُ تخطيه، وبالتالي إعادةِ لَمِّ أشلائِه ورصِّ صفوفِه ضمن إطارِ المبادئِ العامرةِ بالمساواةِ والحريةِ والديمقراطية؛ إلا من خلالِ نظريةِ الأمةِ الديمقراطية.

إنّ الدولتيةَ القوميةَ بالنسبةِ إلى بلدٍ قابلٍ للانقسامِ والتجزؤِ في كلِّ لحظة مثل إيران، أَقربُ ما تَكُونُ إلى قنبلةٍ ذَرّيةٍ مزروعةٍ في قاعِه. ومثلما أنّ القومويةَ الشيعية، التي تُزيدُ من تأجيجِ النزعاتِ الدولتيةِ القوميةِ دون انقطاع، غيرُ قادرةٍ على الحدِّ من انقسامِ إيران وتشتتِها؛ فإنها بالمقابل تُسَرِّعُ من وتيرةِ ذلك. بالتالي، فنظريةُ الأمةِ الديمقراطيةِ بالنسبةِ إلى إيران على وجهِ التخصيص، هي بمثابةِ الدواءِ الذي ينبغي تناوُلُه يومياً. والشعبُ الإيرانيُّ الذي لَطالما تصدى بثقافتِه العريقةِ للحداثةِ الرأسمالية، لا يُمكنُ الارتقاءُ به إلى العالَمِ العامرِ بالمساواةِ والحريةِ والديمقراطية، والذي اندفعَ وراءَه وتعطشَ له على مرِّ التاريخ؛ إلا بواسطةِ ذهنيةِ الأمةِ الديمقراطيةِ القادرةِ على تطهيرِ دربِه من المؤامراتِ والاغتيالاتِ الدولتيةِ القوميةِ المشحونةِ بالنزعةِ الاقتتاليةِ والحربية، وإيصالِه بالتالي إلى سلامٍ مُشَرِّفٍ راسخ.

إحدى أفظعِ نكباتِ مأزقِ الدولتيةِ القومية، تُعاشُ في يومِنا على خطِّ أفغانستان – باكستان. علاوةً على أنّ إشكاليةَ كشمير المُعاشةَ ارتباطاً بذلك، تنبعُ تماماً من الدولتيةِ القومية. حيث جَرَت، ولا تزالُ تجري المعاناةُ من قضيتَي باكستان – الهند وباكستان – بنغلادش كثمرةٍ أفرَزَتها نفسُ العقلياتِ القوموية. فحلولُ الدولةِ القوميةِ وحالاتُها السلميةُ تُوَلِّدُ الحربَ واللاحلَّ بطبيعةِ الحال. هذه الأمثلةُ العينيةُ أيضاً تكشفُ النقابَ عن هذه الحقيقةِ بشكلٍ ساطعٍ وفاقع. حيث دارت المساعي لتطبيقِ الدولتيةِ القوميةِ على أفغانستان متجسدةً في نماذجِ الجمهوريةِ والمَلَكيةِ والاشتراكيةِ المشيدة. والنتيجةُ كانت مجتمعاً أفغانياً متحرراً من قيودِه وخارجاً من مجراه، ويتخبطُ في أجواءِ العنفِ الطائشِ الذي لا يأبَهُ بأيِّ ضابطٍ أو رادع، ومنهاراً وفاقداً قدرتَه على تأمينِ سيرورتِه. وعليه، لا يمكنُ التفكيرُ في ذهنيةٍ أو إرادةٍ مؤهَّلةٍ لِلَمِّ أشلاءِ هذه المجتمعاتِ ثانيةً، والارتقاءِ بها إلى حياةٍ أكثر حريةً وديمقراطية؛ فيما عدا نظريةِ الأمةِ الديمقراطيةِ ومصطلحاتِها. حيث من العصيبِ الوصولُ بالقضايا الاجتماعيةِ إلى الحلِّ بنيوياً، ما لَم تُحَلَّلْ ذهنياً. وتُشَكِّلُ ذهنيةُ الأمةِ الديمقراطيةِ الإطارَ الأكثر احتضاناً للشعوبِ والثقافاتِ المتميزةِ بالغنى الوفيرِ جداً، والممتدةِ من آسيا الوسطى وحتى بلادِ الهند. علماً أنّ الثقافاتِ والشعوبَ الآهلةَ في هذه المناطق، لَطالما عاشت على مرِّ التاريخِ سويةً في كنفِ إمبراطورياتٍ وأسقُفٍ سياسيةٍ مشتركةٍ من النوعِ الكونفدراليّ، متمكنةً بذلك من الحفاظِ على وجودِها وخصوصياتِها، وإنْ لَم يَكُ بالدرجةِ المُثلى المطلوبة. ولا مهربَ لهذه المجتمعاتِ من مزيدٍ من الانحلالِ والوقوعِ أكثر في معمعانِ التصارعِ والتصادم، ما دامت الذهنيةُ الدولتيةُ القوميةُ قائمة، سواء بطرازِها الدِّينَويِّ أم القومويِّ العلمانيّ. فهي تَعرضُ الإسلامَ – الذي تُرَوِّجُ كثيراً لامتثالِه له والتزامِها به – على أنه أيديولوجيةُ إرهابٍ ووعيد، مُضفيةً المساوئَ إلى أبعدِ الحدودِ على هذه الشريعةِ أيضاً. لذا، يتحتمُ تطويرُ الاتحاداتِ الإقليميةِ أولاً، والاتحاداتِ الوطنيةِ الديمقراطيةِ على مستوى الشرقِ الأوسطِ ثانياً، بحيث تَكُونُ متداخلةً مع بعضِها البعض؛ وتطبيقُها في إيران وفي تلك المساحاتِ الفسيحةِ على حدٍّ سواء. والبديلُ الأنسبُ للانهيارِ الكثيفِ الذي تشهدُه منذ الآن الدولُ القوميةُ من الطرازِ الباكستانيِّ بوجهٍ خاصّ، إنما هو مشروعُ "الوحدة الوطنية الديمقراطية" الذي سيُطَوَّرُ على صعيدِ الشرقِ الأوسط.

تلعبُ نظريةُ الأمةِ الديمقراطيةِ ومصطلحاتُها دوراً حلاّلاً لدرجةٍ مصيريةٍ بالنسبةِ إلى حقيقةِ إسرائيل أيضاً، باعتبارِها النواةَ المهيمنةَ للدولةِ القومية. ثمة أمام مستقبل إسرائيل طريقان. الطريقُ الأولُ هو تحوُّلُها إلى إمبراطوريةٍ إقليميةٍ تأسيساً على إشعالِها الدائمَ لفتيلِ الحربِ بغيةَ تأمينِ المواظبةِ على هيمنتِها وفق المسارِ الحاليّ. فمن المعلومِ أنّ لإسرائيل مشروعٌ في بسطِ سيادتِها من النيلِ إلى الفرات، بل وحتى إلى أبعد من ذلك. إنه مشروعٌ خُطِّطَ له من أجلِ ما بعد عهدِ الإمبراطوريةِ العثمانية. وبالرغمِ من قطعِ أشواطٍ لا يُستَخَفُّ بشأنِها في تطبيقِه، إلا إنه بالمقدورِ الإشارةُ إلى أنه لا يفتأُ ناقصاً وبعيداً عن بلوغِ مآربِه. وكونُ إيران أيضاً –التي باتَت تقفُ في وجهِها مؤخراً– تضمرُ حساباتٍ مهيمنةً مماثلة، إنما يُفضي إلى الحزازياتِ والتوترِ فيما بينهما. إلى جانبِ عيشِها توتراً مشابهاً مع تركيا أيضاً، رغمَ عدمِ الجزمِ بمدى جديتِه. بناءً عليه، موضوعُ الحديثِ هنا هو سياقُ صراعٍ على الهيمنةِ الإقليمية، والذي يَبدو فيما يَبدو أنه سيمرُّ مشحوناً جداً بالاشتباكاتِ الطاحنة. وتلك الحساباتُ المهيمنةُ المتبادلةُ بذاتِ عينِها، هي التي تُوَلِّدُ القضايا النابعةَ من الدولةِ القومية، والتي لا مفرَّ من تفاقمِها واستشرائِها طردياً. الطريقُ الثاني أمام إسرائيل والشعبِ اليهوديّ، هو الخروجُ من الطوقِ المُحاصَرِ دوماً بالأعداءِ المتربصين، والانضمامُ إلى مشروعِ "اتحادِ الأممِ الديمقراطيةِ في الشرقِ الأوسط"، واستلامُ زمامِ المبادرةِ الإيجابيةِ لتحقيقِ الانطلاقةِ بالتأسيسِ على ذلك. هذا وبمقدورِ رأسِ المالِ الفكريِّ والماديِّ الذي تستندُ إليه إسرائيل، أنْ يؤديَ دوراً بالغَ الأهميةِ من أجلِ مشروعِ "اتحادِ الأممِ الديمقراطية". إذ بوسعِها تعزيزُ شأنِها أكثرَ فأكثر كأمةٍ ديمقراطية، وتعميمُ ذلك على نطاقٍ أرقى لاتحادِ الأممِ الديمقراطيةِ على صعيدِ الشرقِ الأوسط، بالغةً بذلك إلى تحقيقِ الأمنِ واستتبابِ السلامِ الدائمِ الذي هي في مسيسِ الحاجةِ إليه.

تتعلقُ أفظعُ الكوارثِ التي أسفرَت عنها الدولتيةُ القوميةُ بالتطهيرِ العرقيِّ الذي تعاني منه شعوبُ الشرقِ الأوسط. فقد آلَت تجاربُ الدولتيةِ القوميةِ بالشعوبِ الهيلينيةِ والأرمنيةِ والسُّريانيةِ والكرديةِ الواقعةِ في فخِّ القومويةِ الباكرةِ في بلادِ الأناضول وميزوبوتاميا، آلت بها في غضونِ القرنِ الأخيرِ إلى حافةِ التصفيةِ والزوال؛ على الرغمِ من أنها تمثلُ أعرقَ الثقافاتِ المحليةِ التي عرفَها التاريخ. وطيشُ قومويةِ الأمةِ الحاكمةِ في خلقِ مجتمعٍ قوميٍّ متجانسٍ منضوٍ تحت لواءِ حدودٍ صارمةٍ وقطعية، بات بالنسبةِ للشعوبِ أشنعَ كارثة، بكلِّ ما للكلمةِ من معان. وعليه، ما كان لهذه الكوارثِ والنكباتِ أنْ تُعاش، لولا المفهومُ القومويُّ للحداثةِ الرأسمالية. فالرأسماليةُ هي مَن خلقَ النخبةَ التركيةَ البيضاء. كما ومحالٌ التفكيرُ في برامجِ خلقِ أمةٍ نمطيةٍ بصورةٍ منفصلةٍ عن الحاجةِ إلى مُراكمةِ رأسِ المال. لَم يَكُ الأتراكُ هم مَن يجبُ تحميلُه مسؤوليةَ الإبادةِ العرقيةِ على الصعيدِ التصنيفيّ، بل إنها مجموعةٌ هامشيةٌ رعناء لهثَت في وقتٍ ما وراءَ الرأسماليةِ المللية، تماماً مثلما حصلَ لدى الألمان. ومسؤوليةُ إيقاظِ وحشِ الدولةِ القوميةِ من سُباتِه ليست من نصيبِ قومويّي الأمةِ الحاكمةِ وحسب، بل ومن نصيبِ قوميّي الأمةِ المسحوقةِ أيضاً. ونظراً لاستحالةِ بثِّ الروحِ مجدداً فيمَن تمّت إبادتُهم، فلا يُمكنُ إلا لذهنيةِ الأمةِ الديمقراطيةِ أنْ تساعدَ تلك الشعوبَ بأقليتِها المتبقيةِ في الحفاظِ على وجودِها والوقوفِ على رجلَيها. وعلى سبيلِ المثال، فعندما يُرادُ بسطُ نفوذِ الدولتيةِ القوميةِ التركيةِ البيضاء في إستنبول، فهذا ما مفادُه إصدارُ فرمانِ أو قرعُ أجراسِ الموتِ فيما يتعلقُ بكافةِ الثقافاتِ التاريخيةِ الموجودةِ في هذه المدينة. وبالمرورِ بالتصفيةِ الثقافيةِ دون انقطاع، تتبقى أمامنا إستنبولٌ بيضاء ذات ثقافةٍ أحادية، وهذا ما لن يختلفَ بشيءٍ عن الفاشيةِ الثقافية. أما إستنبول التي تَسودُها ذهنيةُ الأمةِ الديمقراطية، فواضحٌ جلياً أنها إستنبول التي تنعمُ بالغنى الثقافيِّ التاريخيِّ الوفير.

هذا وبالوسعِ النظرُ إلى ثقافاتِ الأناضولِ وميزوبوتاميا أيضاً من وجهةِ النظرِ هذه. حيث بمقدورِ ذهنيةِ الأمةِ الديمقراطيةِ دون غيرِها من الذهنياتِ أنْ تجمعَ شملَ جميعِ الثقافاتِ التاريخيةِ في أجواءٍ عامرةٍ بالسلامِ والمساواةِ والحريةِ والديمقراطية. فبينما تُنشِئُ كلُّ ثقافةٍ نفسَها كمجموعةٍ وطنيةٍ ديمقراطيةٍ من جهة، فبمقدورِها من الجهةِ الثانيةِ أنْ تحيا مع الثقافاتِ الأخرى المتشابكةِ معها ضمن اتحاداتٍ وطنيةٍ ديمقراطيةٍ أرفع مستوىً. ولا تبقى ثمة حاجةٌ لصهرِها بعضَها بعضاً، بعدَ تخطي مفهومِ الأمةِ الأحادية. وبدلاً من ذلك، يجري العيشُ ضمن اتحاداتٍ ثقافيةٍ متكاملة، مثلما حصلَ على مرِّ سياقِ التاريخ. فنظراً لعدمِ تَمكُّنِ الأرمنِ والهيلينيين والسُّريانِ من رسمِ حدودِ دولةٍ قوميةٍ من أجلِهم، ونظراً لاضطرارِهم إلى تأمينِ سيرورةِ وجودِهم أيضاً؛ فإنّ الخيارَ الأنسبَ لذلك سيَكونُ ذهنيةَ الوحدةِ الوطنيةِ الديمقراطية، وكيانَ شبهِ الاستقلالِ الديمقراطيّ. ذلك إنّ العصرانيةَ الديمقراطيةَ هي الملاذُ الذهنيُّ الأخير، الذي ستأوي إليه – ولو متأخراً – الشعوبُ والمجموعاتُ الثقافيةُ التي مرّت بمراحل مشابهةٍ في كلِّ أرجاءِ المنطقة؛ في حين إنّ شبهَ الاستقلالِ الديمقراطيّ هو نموذجُ إعادةِ التجسُّدِ العينيِّ المناسب.

ليست الكياناتُ الأثنيةُ والوطنيةُ لوحدِها هي مَن يُشَكِّلُ إرثاً وفيراً في المنطقة. بل إنّ الأديانَ والمذاهبَ أيضاً تُشَكِّلُ آفاقَ مجموعاتٍ فسيحة. لكنّ تمثيلَ الهيئاتِ الجديدةَ التي اتّخذَتها الأديانُ والمذاهبُ لنفسِها بأشكالِها التقليديةِ والعصرية، يُعَدُّ إشكاليةً جادة. فالدولتيةُ القوميةُ قضَت على قسمٍّ كبيرٍ منها أيضاً. لكن، ونظراً لتَحَلُّلِها وتفسخِها، فالتعبيرُ عن نفسِها من أجلِ هذا الإرثِ الزخمِ للثقافةِ التاريخيةِ أمرٌ غيرُ ممكن، إلا ضمن إطارِ نظريةِ الأمةِ الديمقراطيةِ ومصطلحاتِها. كما إنّ الأمةَ الديمقراطيةَ وشبهَ الاستقلالِ الديمقراطيّ يُعتَبَران أفضلَ نموذجٍ لأجلِ وعيِها الذهنيِّ وبُناها الموجودةِ في آنٍ معاً. وعليه، فنموذجُ المجتمعِ الوطنيِّ الديمقراطيِّ بالنسبةِ إلى كافةِ ميادينِ المجتمعِ التاريخيِّ المماثلة، يُشَكِّلُ ضمانَ السلامِ والمساواةِ والحريةِ والحياةِ الديمقراطيةِ في وجهِ فاجعةِ الدولةِ القومية.

وضعُ الكردِ الذين جزّأَتهم الدولتيةُ القوميةُ في الشرقِ الأوسط، وفرضَت مختلفَ أنواعِ الإبادةِ والإذابةِ عليهم في كلِّ جزءٍ على حدى؛ هو كارثةٌ مفجِعةٌ بكلِّ معنى الكلمة. فلا تصفيتُهم الجسديةُ ولا الثقافيةُ تتحققُ على الفور. بل يكادُ الكردُ يُشبِهون مخلوقاً يُنازِعُ الموتَ على المدى الطويل. إنهم شعبٌ لا نظير له البتة في عمومِ المعمورة. إذ لَم يُعَوَّقْ ذهنياً فحسب، بل وقُطِعَت أوصالُه جسدياً أيضاً. وباتَت كينونةُ الجريحِ الاجتماعيِّ نمطَ حياةٍ لديه. فلا تَسري لديه الحياةُ التقليديةُ القديمة، ولا الحياةُ العصرية. أما فرصةُ الاختيار، فكانت بالأصلِ مسلوبةً منه حتى الآونةِ الأخيرة. ما من شكٍّ في كونِ هذا الوضعِ ينبعُ من الدولِ القوميةِ التي حثَّت الحداثةُ الرأسماليةُ على تأسيسِها. أما مبادراتُ الكردِ على مسارِ الدولتيةِ القومية، فظلّت قاصرةً عن إحرازِ النجاحِ عينِه، ولَم يحالفُها الحظُّ بسببِ تنافُرِ مصالحِهم مع مصالحِ الحداثةِ الرأسمالية. في حين إنّ الدولتيةَ القوميةُ التي يُرادُ تشييدُ صرحِها في كردستان العراق في يومِنا الحاضر، مرتبطةٌ عن كثب بحساباتِ الحداثةِ الرأسماليةِ في الهيمنة. فقد تصبُّ الدولتيةُ القوميةُ الكرديةُ الصغرى في خدمةِ النظامِ القائم. لكنّ الخطرَ هو أنها قد تؤدي أيضاً إلى مجازر وإباداتٍ جماعيةٍ جديدة، بمجردِ قولِ النظامِ عنها: "إنها ليست في صالحي". ونظراً لتخصيصي القِسمَ الأكبرَ من المرافعةِ للظاهرةِ الكرديةِ والقضيةِ الكرديةِ وسُبُلِ حلِّها، فسأكتفي بالقولِ أنّ ما يتضحُ بجلاءٍ هو كونُ الأمةِ الديمقراطيةِ تُعَدُّ أنسبَ نموذجٍ للخلاصِ من هذا الواقعِ –أو اللاواقع– الفجيعِ الذي أَعَدتُ صياغةَ تعريفِه بإيجاز. فعلى صعيدِ الذهنيةِ والبنية، تُوَفِّرُ الأمةُ الديمقراطيةُ وشبهُ الاستقلالِ الديمقراطيّ إمكانيةَ العيشِ المشتركِ بمشاطرةِ الإداراتِ وتَشارُكِها، دون هدمِ أو تقويضِ الدولِ القوميةِ القائمة؛ حيث تُلاحَظُ أمثلةُ ذلك بكثرةٍ في عمومِ بقاعِ العالَم.

البديلُ لدعاءِ "جمهورية كردستان المستقلة الموحدة"، الذي يُسَلِّمُ به الكردُ بإيمانٍ لا يتزعزع، هو "الكونفدراليةُ الديمقراطيةُ الكردستانية"، التي لا تَمَسُّ الحدودَ السياسيةَ القائمة، بل وبنقيضِ ذلك، فهي تجعلُ من هذه الحدودِ حجةً لأجلِ بناءِ "الوحدة الوطنية الديمقراطية في الشرقِ الأوسط". بمقدورِ العديدِ من المجموعاتِ الشعبيةِ والثقافيةِ أنْ تُنَظِّمَ نفسَها ضمن هذا النموذجِ على شكلِ اتحاداتٍ فيدرالية. وبإمكانِ شتى المجموعاتِ المفعمةِ بالمساواةِ والحريةِ والديمقراطيةِ أنْ تحيا معاً على مختلفِ الأصعدةِ الأثنيةِ والدينيةِ والمذهبيةِ والجنسية، في أجواءٍ من السلمِ المستتبِّ داخل نفسِ المنطقةِ أو نفسِ المدينة. وكلما قامت "الكونفدراليةُ الديمقراطيةُ الكردستانيةُ" بتطويرِ نموذجِ الأمةِ الديمقراطيةِ الخاصِّ بها، سيغدو بوسعِ كلِّ جزءٍ التوجهُ بسهولةٍ ملحوظةٍ صوب بناءِ اتحاداتٍ مشابهةٍ مع مجتمعاتِ الجوارِ التي يُشاطرُها العيش. وإذ ما تصوَّرنا أنّ كياناتٍ مشابهةً قد طُوِّرَت في كلٍّ من تركيا وإيران والعراق وسوريا، فمن الجليِّ أنّ "الكونفدراليةَ الديمقراطيةَ الكردستانيةَ" التي سعينا إلى شرحِها سوف تصبحُ نواةَ "الوحدةِ الوطنيةِ الديمقراطيةِ في الشرقِ الأوسط". هذا وثمة إمكانيةٌ لإنجازِ الظاهرتَين بمنوالٍ متداخلٍ أيضاً. والتكامُلُ الاجتماعيُّ والتاريخيُّ للشرقِ الأوسطِ يستلزمُ ذلك من الأساس.

مقابل ذلك، فالحظُّ لن يحالفَ كثيراً "مشروعَ الشرقِ الأوسطِ الكبير" الذي سعَت أمريكا إلى طرحِه في الأجندة. فهذا المشروعُ يرتكزُ بالأصلِ إلى الدولِ القومية. والعديدُ من المشاريعِ المماثلةِ قد زجّت الشرقَ الأوسطَ في مزيدٍ من التعقيدِ الشائك. والأوضاعُ التي نَمّ عنها آخِرُ مشروع، لَم تَكُ مختلفةً عن ذلك. حيث لن يستطيعَ أيُّ مشروعٍ إنقاذَ الشرقِ الأوسطِ من الأزماتِ الغائرةِ والقضايا العالقةِ التي يعاني منها، أو تَجنيبَه الحروبَ والاشتباكاتِ الدموية؛ ما لَم يتخطَّ منطقَ الدولتيةِ القومية. ونظراً لإصابةِ "الجامعةِ العربيةِ و"منظمةِ المؤتمرِ الإسلاميِّ" على حدٍّ سواء بالعُطبِ والخلل، حصيلةَ منطقِ الدولةِ القوميةِ عينِه؛ فلَم تتمكنا من أداءِ دورٍ حَلاّلٍ لأيةِ قضيةٍ كانت. كما ومحالٌ أنْ تتوفرَ لديهما فرصةُ الحلّ، ما لَم تتجاوزا الذهنيةَ الحاليةَ وبناها القائمة. أما حروبُ بسطِ النفوذِ التي تشنُّها كلٌّ من إيران وتركيا عن طريقِ حزب الله والقاعدة ضد أمريكا، وكذلك ضد إسرائيل بوصفِها قوةً مهيمنةً محلية؛ فلن تذهبَ في دورِها أبعدَ من إيصالِ القضايا إلى حالةٍ لا تُطاقُ ولا مَخرج منها. كما إنّ حساباتِ اقتطاعِ الحصصِ قد تنقلبُ بلاءً على رأسَيهما. والوضعُ الذي آلَت إليه جميعُ ألاعيبِ الدولةِ القوميةِ تلك، الجديدةِ منها والقديمة؛ هو وضعٌ مسرودٌ على مرأى الملأ. أي إنّ وضعَ الشرقِ الأوسطِ ذاك، والذي ازدادَ تفاقماً تحت اسمِ "نحن نحلُّ المشكلة، ونُزاوِلُ دبلوماسيةَ (صفْر مشكلة)"، وصُيِّرَ أكواماً من القضايا التي باتت بلا مَنفَذ؛ إنما هو وضعٌ بنيويٌّ مثلما سردنا آنفاً بكلِّ علانية، وهو يتأتى من الدولتيةِ القوميةِ لا غير. ومثلما ذَكرنا بنفسِ العلانية، فإنّ ذهنيةَ الأمةِ الديمقراطيةِ وكيانَ شبهِ الاستقلالِ الديمقراطيّ، اللذَين تتميزُ بهما العصرانيةُ الديمقراطية، يُشَكِّلان النموذجَ أو البراديغما الجديدةَ المفعمةَ بالمساواةِ والحريةِ والديمقراطية، والأنسبَ للخلاصِ من وضعِ الفوضى العارمةِ ذاك. إنه نموذجٌ يدلُّ كلَّ فردٍ ومجتمعٍ على الدربِ المؤديةِ إلى استتبابِ الأمنِ والسلام.

b- اقتصادُ المشاعةِ الديمقراطيةِ هو سبيلُ الحلِّ الأمثل لتَمكينِ بعثِ الحياةِ الإنسانيةِ مجدداً بين صفوفِ المجتمعِ الذي صَيَّرَته الرأسماليةُ حشداً من العبيدِ العمالِ والعاطلين عن العملِ حصيلةَ نزعةِ الربحِ الأعظميِّ لديها. لَطالما ظلَّ الاقتصادُ على مرِّ التاريخِ ظاهرةً تتحققُ عن طريقِ الكومون (المشاعة). ولا يُمكنُ تَصَوُّرُ اقتصادٍ من دونِ مشاعة. بل حتى إنّ المصدرَ الأُسَّ لمعنى كلمةِ الاقتصاد، هو "قانون مشاعة العائلة". أي إنّ مفادَه هو تدبيرُ شؤونِ ارتزاقِ العائلةِ باعتبارِها مشاعة. فطرازُ نشوءِ المجتمعِ هو من جذورِه على شكلِ مشاعة. والتاريخُ لا يَشهَدُ اقتصاداً بدَأَ مع الفرد. أما الاقتصادُ الخاصّ، فلَم يتعرفْ عليه التاريخُ والمجتمع، وهو وحشٌ أَفرزَته الرأسماليةُ بما يُعادِلُ وحشيةَ الدولةِ القوميةِ بأقلِّ تقدير. في حين طُوبِقَ بين الاقتصادِ الخاصِّ و"اللصوصية" طيلةَ سياقِ التاريخ، فتُرِكَ على هامشِ الحياةِ دوماً. بينما ظهرَ إلى السوقِ كصِنفٍ جديدٍ تزامناً مع بدءِ الحداثةِ الرأسماليةِ بالصعودِ والازدهار. وهو بذلك أَقربُ ما يَكُونُ إلى ضربٍ من ضروبِ تَحوُّلِ الفأر القابعِ في باطنِ الأرضِ باستمرارٍ إلى هِرٍّ بدأَ يَجُولُ في الأسواقِ ويَصُول. إذ، لَطالما توارى اللاهثون وراء الاقتصادِ الخاصِّ أو رأسِ المالِ الخاصِّ عن الأنظار، نظراً للحُكمِ عليهم بأنهم "لصوص". لكنّ هذه الفئرانُ – القِططُ التي شرعَت تبسطُ نفوذَها على السوقِ بالتزامنِ مع نفوذِ الهيمنةِ الرأسماليةِ المتصاعدة، قد أمسَت حقاً كوارثاً تطالُ المجتمعَ البشريّ. وحسبَ تشخيصِ المؤرخِ بروديل الصائبِ فعلاً، فالرأسماليةُ التي هي ليست اقتصاداً، ما هي سوى نزعةٌ احتكاريةٌ تُؤسِّسُ حاكميتَها على السوقِ بهدفِ الربح. ومَن أَسَّسَ حاكميتَه على الاقتصاد، احتكاراتٍ شخصيةً خاصةً أم احتكاراتِ دولة، كانوا يَعُونَ على أحسنِ وجهٍ أنهم لن يتمكنوا تحقيقَ لصوصيتِهم، إلا بمقدارِ تدميرِهم للكومونِ التي ربما كانت أولَ تنظيمٍ لجأَ إليه الناسُ لأجلِ تلبيةِ احتياجاتِهم الحياتية. وعليه، فالنزعةُ الاحتكارية، خاصةً كانت أم معنيةً بالدولة، ما هي إلا نهبٌ وسلبٌ يُسَلَّطان على الاقتصادِ المشاعيّ. وهذا النهبُ الذي تُنجزُه الحداثةُ الرأسماليةُ متواريةً خلف ألفِ قناعٍ وقناع، إنما يفيدُ بدكِّ دعائمِ المشاعة، وبالتالي المجتمع. هذا وتبدأُ كلُّ الأزماتِ والأمراضِ الاقتصاديةِ مع تفكيكِ وتقويضِ اقتصادِ المشاعةِ التي هي عمادُ المجتمع. بناءً عليه، فتاريخُ الرأسماليةِ هو تاريخُ تدميرِ اقتصادِ المشاعة. والنتيجةُ هي المعاناةُ من أفظعِ النكباتِ الاجتماعيةِ التي شهدَها التاريخ. حيث إنّ التفككَ والدمارَ الجاريَين في الاقتصاد، هما الدافعُ الحقيقيُّ وراءَ حالاتِ التفككِ والتقوضِ التي تلحقُ حقولَ الأخلاقِ والسياسةِ والساحةِ الاجتماعيةِ برمتِها. بمعنى آخر، فالتردي الاقتصاديُّ يعني الترديَ الاجتماعيَّ بذاتِ نفسِه. وفي هذه الحالِ لا يتبقى سوى حيثياتُ مجتمعٍ بلا عملِ ولا أخلاقٍ ولا سياسة. وهذه هي النزعةُ الاحتكاريةُ الخاصةُ والدولتيةُ في الرأسمالية.

ولهذا السببِ بالذاتِ فإنّ الأزمةَ البنيويةَ المُعاشةَ في عمومِ بقاعِ العالَمِ خلال القرونِ الأربعةِ الأخيرة، والتي بلغَت أقصاها في عهدِ رأسِ المالِ الماليِّ الراهنِ بصورةٍ خاصة؛ تتسببُ في ولادةِ أربعمائةِ مليون عاطلاً عن العملِ سنوياً. هذا وإنّ الانهيارَ الحاصلَ في المجتمعِ الشرقِ أوسطيِّ أكثرُ لفتاً للأنظار. فتفكُّكُ الحياةِ الكوموناليةِ في غضونِ العقودِ الخمسةِ الأخيرة، قد مهَّدَت السبيلَ أمام تصييرِ المجتمعِ بأكملِه عاطلاً عن العمل. لذا، لَم يتفسخْ مجتمعُ الشرقِ الأوسطِ لهذه الدرجةِ في أيِّ عصرٍ من عصورِ التاريخ. علماً أنه أولُ مجتمعٍ طَوَّرَ الاقتصادَ الكوموناليَّ من جانب، وهو مِن الجانبِ الآخر مَن كان رائداً عالمياً له حتى حلولِ عصرِ الهيمنةِ الرأسمالية. والأزمةُ التي يمرُّ بها في حاضرِنا، هي رديفٌ لخسارةِ الحياةِ المشاعيةِ التي أنشَأَها بعقلِه منذ فترةٍ زمنيةٍ تناهزُ الثلاثمائة ألف سنة بحالِها. ولهذا السببِ التاريخيّ، فهو يحيا نكبةً شاملةً وجذرية. هذا ويستحيلُ مقارنةُ نتائجِ الأزمةِ المُعاشةِ بأيةِ كارثةٍ بربريةٍ عرفَها التاريخُ على الإطلاق. ذلك إنّ الحياةَ المشاعيةَ ما برحَت ركناً أساسياً حتى في الغاراتِ والهجماتِ البربرية. ولَم يَكُ أحدٌ يجرؤُ حتى على التفكيرِ بالمَساسِ بها. لكنّ البربريةَ الوحشيةَ هي أولُ مَن خطرَ ببالِه تفكيكُ المشاعةِ بمنطقِ إبليس. وقد نجحَت في مسعاها. والمحصلةُ كانت ما سادَ في القرونِ الأربعةِ الأخيرةِ من قبيلِ: الحروبِ وعملياتِ السلبِ الاستعماريّ؛ تعريضِ المجتمعِ لعبوديةٍ مأجورةٍ عصريةٍ أنكى وأفتك من العبوديةِ الكلاسيكية، بل وتعريضِه للبطالةِ بنحوٍ أكثر تعسفيةً وجوراً، وفقدانِه بالتالي لوحدتِه وتكاملِه الأخلاقيِّ والسياسيّ؛ تخريبِ البيئة، والإخلالِ بالتوازنِ البيولوجيِّ العالميّ؛ إفراغِ وامتصاصِ ما في باطنِ الأرض، وتلويثِ ما على سطحِها؛ وكذلك الكوارثِ المناخية.

جليٌّ جلاءَ النهارِ مدى صعوبةِ تذليلِ حالاتِ الدمارِ هذه، والتي أفرَزَها التحكمُ الاقتصاديُّ الليبراليُّ والدولتيُّ للحداثةِ الرأسمالية؛ في حالِ اتِّباعِ أيِّ سبيلٍ عدا الاقتصادِ الكوموناليِّ للعصرانيةِ الديمقراطية. يتعينُ عدم التفكيرِ باقتصادِ المشاعةِ على أنه ابتكارٌ أو مذهبٌ جديد. كما إنه ليس خطةً أو مشروعاً جديداً. بل ينبغي تصوُّرُه نمطَ وجودٍ يستحيلُ على المجتمعِ البشريِّ العيشُ من دونِه، أو استيعابُه على أنه حقيقةٌ يقينة. ولَئِنْ كان المجتمعُ يطمحُ في البقاءِ متيناً وفي تأمينِ سيرورتِه، فيجبُ عليه حينها اتخاذُ اقتصادِ المشاعةِ أساساً له. قد تحتوي كلمةُ "يجب" على قاعدةٍ صارمة. لكنّ فِعلَ "يجب" هنا في مكانِه، نظراً لاستحالةِ العيشِ من دونِ اقتصاد، ولاستحالةِ تحقُّقِ هذا الاقتصادِ من دونِ مشاعة. هذا ويتحتمُ علينا جعلُ اقتصادِ المشاعةِ في الصدارة، ما دمنا نتطلعُ إلى المواظبةِ على الحياةِ الاجتماعية، ليس في الشرقِ الأوسطِ فقط، بل وعلى وجهِ البسيطةِ بأكملِه. أقولُ "الصدارة" لأنه يصعبُ علينا اجتثاثُ الرأسماليةِ الخاصةِ ورأسماليةِ الدولةِ وكأننا نقطعُهما بالسكين، ثم الرميُ بهما جانباً. بل، وبينما نسمحُ لهما بالحياةِ بعد تصييرِهما هامشيتَين مثلما كانتا في الماضي الغابر، فمن الضرورةِ بمكان أنْ نجعلَ المشاعةَ تحتلُّ مرتبةَ الصدارة.

مجتمعُ الشرقِ الأوسطِ ليس متسالماً مع الرأسماليةِ مثلما هي عليه في أوروبا والمناطقِ الأخرى من العالم. وهو بعيدٌ عن هضمِها واستساغتِها. بالتالي، فجذورُه الكوموناليةُ منيعةٌ ووطيدة. أما عنصرُ الاقتصادِ المشاعيِّ للعصرانيةِ الديمقراطيةِ المُحَصَّنةِ بعلومِ العصرِ الراهنِ وتقنياتِه، فهو لا يكتفي فقط بالتغلبِ على الآثارِ المُهشِّشةِ والمُفكِّكةِ والمدمِّرةِ التي خلَّفَتها الرأسمالية، بل ويرصفُ أرضيةً حصينةً لإعادةِ إنشاءِ كافةِ الميادين الاجتماعية. لكنّ الرأسماليةَ قد صيَّرَت أفرادَ البشرِ خلال القرنِ الأخيرِ متسكعين وعاطلين عن العملِ ومناهِضين للمجتمعية، لدرجةٍ تقتضي معها إنجازَ ثورةٍ اجتماعيةٍ حقيقية، للتمكنِ من كسبِهم ثانيةً لنظامِ الاقتصادِ المشاعيّ. فالفرديةُ الليبراليةُ مَرَضٌ خطيرٌ بما يعادلُ السرطان. ولا يُمكنُنا ضمُّها إلى الحياةِ الكومونالية، إلا بعد معالجتِها بعنايةٍ فائقة. هذا وتلعبُ الذهنيةُ والتعليمُ الأخلاقيُّ دوراً كبيراً في ذلك. لكن، وأثناء توجُّهِنا نحو الاقتصادِ المشاعيّ، علينا الإدراكُ بعظيمِ الأهميةِ أنه يستحيلُ علينا إنشاؤُه من دونِ سياسةٍ ديمقراطية، وأنْ نلبيَ متطلباتِ ذلك. فضلاً عن أنّ البُعدَ الأخلاقيَ لا يَحتملُ الإهمال. وباقتضاب، فإعادةُ إنشاءِ اقتصادِ المشاعةِ يقتضي تعليماً وتدريباً أيديولوجياً وسياسياً وأخلاقياً كثيفاً.

عندما نقولُ باقتصادِ المشاعة، فنحن لا نقتصرُ في ذلك على عدةِ مجالاتٍ فحسب، بل علينا تصوُّرُه يشملُ جميعَ الساحات، من الزراعةِ إلى الصناعة، ومن الخدماتِ إلى العلمِ والمِهَنِ الحرة. هذا ويُعَدُّ اقتصادُ المشاعةِ نظاماً يجبُ تطويرُه في المدينةِ بقدرِ تطويرِه في القريةِ أيضاً. بل وحتى إنّ اقتصادَ القريةِ – المدينة، والذي ينبغي تطويرُه كبديلٍ لكلٍّ من اقتصادِ الزراعةِ الريفيةِ التي قضَت عليها الحداثةُ الرأسماليةُ واقتصادِ المدينةِ التي أصابَتها بالسرطان؛ لا يُمكنُ إنشاؤُه إلا بالتمحورِ حول اقتصادِ المشاعةِ دون غيرِه. كما ومن الضرورةِ بمكانٍ عدمُ الفهمِ الخاطئِ لاقتصادِ القريةِ – المدينة. فهذا لا يعني تمدُّنَ القرية، ولا ترييفَ المدينة. بل يتوجبُ فهمُه على أنه وحدةٌ Birim معاصرةٌ للمجتمعِ الكوموناليّ. فالميولُ السائدةُ تاريخياً تتسمُ – بالتأكيد – بطابعِ علاقةِ القريةِ – المدينة. في حين يَعودُ الفصلُ الشاذُّ بين القريةِ والمدينةِ إلى الحداثةِ الرأسمالية. فجميعُ أشكالِ الاقتصادِ المُطَوَّرةِ على مرِّ التاريخِ على ضفافِ الأنهر، تتحلى بالطابعِ المشاعيّ، وفي مقدمتِها أنهرُ الفرات ودجلة والنيل والهندوس والبنجاب. وبالأصل، فما مَكَّنَ من ظهورِ الحضارةِ هو هذه الاقتصادياتُ المشاعية. أما سياسةُ إقامةِ السدودِ المرتبطةُ بنزوعِ الحداثةِ الرأسماليةِ إلى جنيِ الربحِ الأعظم، فلَم تقتصرْ على هدمِ اقتصادياتِ القرى المبنيةِ ارتباطاً بتلك الأنهرِ فحسب، بل وابتلعَت معها أخصبَ الأراضي، الغطاءَ النباتيّ، الأنواعَ الحيوانية، وأروعَ الآثارِ الأركولوجيةِ في العالَم. وهكذا، فقد أنجزَت بذلك إباداتٍ أيكولوجيةً وأركولوجية، تساوي ما مارسته من إباداتٍ اجتماعية. ولا يُمكنُ تذليلُ كلِّ هذه الدماراتِ الحاصلة، إلا بواسطةِ اقتصادِ المشاعةِ المتأسسِ على دعامةِ السياسةِ الديمقراطية.

نادراً ما تطرقَت الأيديولوجياتُ والسياساتُ الثوريةُ إلى اقتصادِ المشاعة. ونخصُّ بالذِّكرِ أنّ قيامَ الاشتراكيةِ المشيدةِ بمُطابقةِ رأسماليةِ الدولةِ مع الاشتراكيةِ قد أفضى إلى كوارث مروِّعة؛ حيث أصابَ الاشتراكيةَ بالرعونةِ والتفسخ، بقدرِ ما جرَّدَ اقتصادَ المشاعةِ أيضاً من وظيفتِه الأساسية. كما إنها، ومن خلالِ رأسماليةِ الدولة، قدَّمَت أكبرَ خدماتِها إلى الرأسماليةِ تحت اسمِ الجماعية. من هنا، فعلى اقتصادِ المشاعةِ رفضُ الاقتصادِ الخاصّ، بقدرِ رفضِه لاقتصادِ الدولة، أو بالأحرى لسيطرتِها الاقتصادية. كما ينبغي أنْ ينظرَ إلى احتكاريةِ الدولةِ على أنها تهميشٌ لجماعيةِ الكومون، وأنْ يكافحَ إزاءَها في كلِّ الظروفِ والشروط. زِدْ على ذلك ضرورةُ معرفةِ النقاطِ التاليةِ جيداً: الرأسماليةُ أيضاً تمرُّ مع توجُّهِها نحو حاضرِنا بمرحلةِ تحويلِ نفسِها إلى ما هو أَشبَهُ بكوموناتٍ رأسماليةٍ تتألفُ من الشركاتِ العائليةِ التي يُديرُها أخصائيون من كِبارِ المدراء التنفيذيين. وهي تجهدُ لإنعاشِ هذه المرحلةِ في كافةِ المجالات. لذا، يتحتمُ النظرُ إلى ذلك على أنه مصيدةٌ خطيرةٌ نَصَبَتها الرأسماليةُ الليبرالية. فالرأسماليةُ التي كَيَّفَت نفسَها مع القوالبِ من النمطِ المشاعيِّ انطلاقاً من كونِها نظامَ شركاتٍ قابضة، تُعتَبَرُ بهيئتِها هذه ألدَّ أعداءِ الاقتصادِ والمجتمعِ المشاعيَّين. هذا ولا تتخلَّفُ الرأسماليةُ عن تنظيمِ نفسِها على شكلِ مجتمعٍ قبائليّ، مهما زعمَت أنها تخطَّت أشكالَها الاجتماعيةَ القديمةَ ظاهرياً. إنها تسلكُ ضرباً من القَبَلِيّةِ والكلانيةِ الحديثة. حيث يصعدُ المجتمعُ أساساً على الأرضيةِ المكوَّنةِ من الكلانِ والقبيلة، أي من مقوِّماتِ المجتمعِ الكوموناليّ. إلا إنّ الحداثةَ الرأسماليةَ تُصَمِّمُ نفسَها مضموناً وتُنجِزُ ذاتَها تأسيساً على إنكارِ الأشكالِ الاجتماعيةِ الأولية. هذا ولا تتوانى عن تكييفِ القوالبِ القديمةِ أيضاً لصالحِها أثناء قيامِها بذلك.

لا تَميلُ الدولتيةُ القوميةُ إلى الاعترافِ باقتصادِ المشاعة، نظراً لتَشَكُّلِها وفق الاحتكاراتِ الرأسمالية. أو بالأصحّ، فهي أيضاً تطمعُ في بسطِ نفوذِها عليه كما النزعةُ الاحتكارية. هذا وتُعَوِّلُ الدولتيةُ القوميةُ على تحقيقِ المجتمعِ المتجانسِ بناءً على بعثرةِ الحياةِ المشاعيةِ في الشرقِ الأوسط، لأنها تَعتَبِرُ الحياةَ الكوموناليةَ والمجتمعَ الجماعيَّ حجرَ عثرةٍ مزروعاً أمامَها. لذا، فالمجتمعُ الأمثلُ للدولتيةِ القومية، هو عبارة عن حشدٍ من الناسِ العبيدِ المجردين من هوياتِهم وشخصياتِهم، والفاقدين لهوياتِهم المشاعيةِ والجَمعيةِ التاريخيةِ برمتِها، والكادحين كما النملُ دون كللٍ أو ملل. وفي واقعِ الأمر، فقد قُضِيَ على المجتمعِ بناءً على هذا الركامِ المحتشد. وقد رامَ الفلاسفةُ من أمثالِ نيتشه وفوكو إلى شرحِ هذه الحقيقة، عندما قالوا: "يُقتَلُ المجتمعُ أو الإنسانُ على يدِ الحداثة". ومع دكِّ دعائمِ المجتمعِ المفعمِ بالشخصيةِ والهويةِ الكومون، فإنّ مجتمعَ الحشدِ المتألفِ من الأفرادِ معدومي الشخصيةِ والهويةِ هو مجتمعٌ خاصٌّ بالحداثةِ الرأسمالية، ويُشَكِّلُ نمطَ مواطنِ الدولتيةِ القومية.

ثمينةٌ حقاً كلُّ التقاليدِ التي تحتلُّ مكانَها في دعامةِ العصرانيةِ الديمقراطية، وتتسمُ بالطابعِ التاريخيِّ فيها. واقتصادياتُ مشاعةِ التضامنِ التي تحتلُّ مرتبةَ الصدارة، إنما تلعبُ دورَ الوحدةِ Birim الرئيسية. واقتصادُ المشاعةِ وحدةٌ أوليةٌ في الأمةِ الديمقراطيةِ أيضاً. فكيفما أنّ احتكاراتِ السيطرةِ الاقتصاديةِ هي وحداتُ الاستغلالِ الاقتصاديِّ الأساسيةُ في الدولةِ القومية، فإنّ الوحداتِ الاقتصاديةَ للمشاعةِ هي وحداتُ الحياةِ الاقتصاديةِ الأوليةُ في الأمةِ الديمقراطية. بمعنى آخر، يرتفعُ بناءُ الأمةِ الديمقراطيةِ والعصرانيةِ الديمقراطيةِ على خلفيةِ اقتصادِ المشاعة. لا نرى داعياً لشرحِ مضمونِ اقتصادِ المشاعةِ مطوَّلاً. حيث بالوسعِ إنشاءُ وحداتٍ ضخمةٍ ولا حصرَ لها كماً وكيفاً، وبما يغطي الحاجة، بدءاً من كومون العائلةِ وحتى مستوى الأمةِ الديمقراطية. ووحداتُ الزراعةِ والمصانعِ النموذجيةُ تأتي في مرتبةِ الصدارة. علاوةً على أنّ وحداتِ التعاونياتِ والمواصلاتِ والصحةِ والتعليمِ والتربيةِ هي نماذجٌ مشاعيةٌ تأخذُ مكانَها في المقدمة. المهمُّ هنا ليس تحديدَ الكوموناتِ سلفاً، بل إنشاءُ كلِّ نوعٍ من الوحداتِ المشاعيةِ بما يتماشى كماً وكيفياً مع الحاجةِ والوظيفةِ المُناطةِ بها، بحيث لا يبقى فردٌ من دونِ مشاعة. إذ إنّ الأمةَ الديمقراطيةَ أمةٌ تُنظِّمُ جميعَ أفرادِها في المشاعات، وتُحَمِّلُهم المسؤولياتِ داخلها. ما مِن فردٍ بلا مشاعةٍ ضمن هذا النظام. وعندما يتواجدُ هكذا فرد، فهذا مفادُه أنه مريض، ومعرَّضٌ للتفسخِ والتحلل. وعليه، فالوظيفةُ الأوليةُ لأفرادِ الأمةِ الديمقراطية، وبالأخصِّ لكوادرِها البانيةِ والتأسيسية؛ هي تصييرُ جميعِ أفرادِها ناشطاً فعالاً في مشاعةٍ أو عدةِ مشاعات.

لن تستطيعَ مجتمعاتُ الشرقِ الأوسطِ الراهنةُ أن تَنفُذَ من الأزمةِ الخانقةِ التي تعاني منها، إلا بمقدارِ تحقيقِها التحولَ المشاعيَّ في كافةِ المناحي، وعلى رأسِها المشاعاتُ الاقتصادية. أي، ما مِن مَخرَجٍ من دونِ مشاعة. وليس بمقدورِ التقاليدِ التاريخيةِ والثقافيةِ تخصيصُ حيزٍ لها أو تأمينُ سيرورتِها في اليومِ الحاضر، إلا عبر الحياةِ الكومونالية. محالٌ تقليدُ التقاليد. ولكن، محالٌ أيضاً العيشُ من دونِ تقاليد. ومن جانبٍ آخر، لن تتسمَ الحياةُ التاريخيةُ والاجتماعيةُ بمعناها الحقيقيّ، إلا عندما تقتاتُ التقاليدُ على القِيَمِ الخلاّقةِ الراهنةِ غيرِ المرتكزةِ إلى تقليدِ أو إنكارِ التقاليد. وتؤدي التقاليدُ المشاعيةُ الاقتصاديةُ دوراً رئيسياً في ذلك. فالمشاعاتُ الاقتصاديةُ ضرورةٌ ماسةٌ لجميعِ البلدان. والسبيلُ إلى سدِّ الطريقِ أمام البطالةِ والانهيارِ الاجتماعيّ، هو الانتقالُ إلى طورِ النشاطِ الكوموناليّ. وما يقعُ على عاتقِ الزراعةِ والقريةِ على خلفيةِ ذهنيةِ المشاعةِ المستحدَثةِ وتنظيمِها بصورةٍ خاصة، إنما هو أثمنُ أنواعِ النشاطِ الثوريّ. والثوريةُ الحقيقيةُ هي إنجازُ الحياةِ المشاعيةِ المُؤَمِّنةِ لوجودِنا التاريخيّ، وإرساءُ دعائمِها في كافةِ الحقولِ الاجتماعية، يتصدرُها الحقلُ الاقتصاديّ. فمثلما أنّ الفيدراليةَ الديمقراطيةَ والاستقلالَ الذاتيَّ الديمقراطيَّ مؤشرانِ على تنظيمِ ومأسسةِ الحياةِ السياسيةِ للأمةِ الديمقراطية، ففيدراليةُ الوحداتِ الاقتصاديةِ المشاعيةِ أيضاً دليلٌ على تنظيمِ الحياةِ الاقتصاديةِ ومأسَسَتِها. من جهةٍ ثانية، إنّ "فيدراليةَ الوحداتِ الاقتصاديةِ المشاعيةِ" تعبيرٌ عن الأرضيةِ الاقتصاديةِ لـ"اتحادِ الأممِ الديمقراطيةِ في الشرقِ الأوسط" على الصُّعُدِ المحليةِ والوطنيةِ والإقليمية. وكونُ الوحداتِ الاقتصاديةِ المسماةِ بـ"كيبوتز"، في إسرائيل التي تُعدُّ نواةَ القوةِ المهيمنة، شديدةَ الشبهِ بالاقتصادِ المشاعيّ؛ إنما هو برهانٌ قاطعٌ على تفوقِ الاقتصادِ المشاعيّ. وإذا كان يُرادُ تخطي هيمنةِ إسرائيل كدولةٍ قومية، فالسبيلُ إلى ذلك يمرُّ – فقط وفقط – من العبورِ إلى الاقتصادِ المشاعيِّ في المجالِ الاقتصاديّ. فضلاً عن أنّ السبيلَ إلى الخلاصِ من الهمينةِ الرأسماليةِ العالمية، ومن شتى أشكالِ استغلالِها الاحتكاريّ، يمرُّ من تحقيقِ وبسطِ الاقتصادِ المشاعيِّ الجديد، الذي يُشَكِّلُ الأرضيةَ الماديةَ للمساواةِ والحريةِ والديمقراطية.

سبيلُ الخلاصِ الوحيدُ نحو حياةٍ اقتصاديةٍ مشاعيةٍ مستحدَثةٍ في كردستان من أجل: التقاليدِ الاقتصاديةِ المشاعيةِ التي تجهدُّ للحفاظِ على نفسِها ولو بشقِّ الأنفُس، حشدِ العاطلين عن العملِ الناجمين عن تقويضِ الدولةِ القوميةِ لصفوفِ المجتمع، وأولئك الذين فقدوا معنى الحياةِ وكرامتَها بسببِ عبوديةِ الأجرِ البخسِ والأعمالِ الشاقة. وعليه، فالأراضي الشاهدةُ على تكوُّنِ التاريخِ والمجتمعِ عن طريقِ المشاعة، لا يُمكنُها إنجازُ أعظمِ ثوراتِها في راهنِنا حيالَ الحداثةِ الرأسماليةِ ودولتيتِها القوميةِ ونهبِها الصناعويِّ ونشاطاتِها التخريبيةِ الهارعةِ وراء جني الربحِ الأعظميّ، إلا بواسطةِ الاقتصادِ المشاعيِّ والصناعةِ الأيكولوجيةِ المنضويَين تحت رايةِ العصرانيةِ الديمقراطيةِ والأمةِ الديمقراطية. وبهذه الشاكلةِ يغدو بمقدورِها التحولُ إلى مساحاتٍ تزدهرُ فيها حيَواتٌ آمنةٌ ومشرِّفةٌ وجميلةٌ وفاضلةٌ يستتبُّ السلامُ فيها ضمن صفوفِ المجتمعِ المتساوي والحرِّ والديمقراطيّ.

c- ثالثُ عاملِ حلِّ رئيسيٍّ للعصرانيةِ الديمقراطية، هو الصناعةُ الأيكولوجيةُ إزاء الصناعويةِ الرأسمالية. بالإمكانِ تعريفُ الصناعويةِ بأنها قيامُ الرأسماليةِ بالتوظيفِ اللامحدودِ للتقدمِ التقنيِّ في خدمةِ تحقيقِ ميولِ الربحِ الأعظميِّ لديها. فكيفما أنّ نزعةَ الربحِ الأعظميِّ أعادت تنظيمَ الدولةِ في هيئةِ الدولةِ القوميةِ بصفتِها وسيلةَ السلطةِ القصوى، فقد نظَّمَت التحصنَ التقنيَّ أيضاً في هيئةِ الصناعويةِ كتعبيرٍ عن الاستخدامِ الهادفِ إلى الربحِ الأعظميّ. ويكمنُ الخطرُ الأصلُ للصناعويةِ في تحويلِها المجتمعَ المتميزَ بعالَمِه العامرِ بالحيويّةِ والعواطفِ إلى مقبرةٍ للآلاتِ الميكانيكية، وتصييرِه روبوتاً. لذا، يستحيلُ على أيِّ مجتمعٍ كان المثابرةُ على حياتِه مفعمةً بعالَمِ العواطفِ السليمة، ما لَم يُكبَحْ لجامُ الصناعوية. في حين إنّ تحويلَ المجتمعِ إلى آلة، يفضي بعد طورٍ معينٍ إلى دمارِ المجتمعِ وتضعضعِه. أما نزوعُ الرأسماليةِ إلى الصعودِ بالصناعويةِ إلى أقصاها، فيُشكِّلُ جانبَها الذي ربما يَكُونُ أشدَّ فتكاً حتى من الحرب. ومنذ الآن باتَ العالَمُ على عتبةِ التحولِ إلى أسيرٍ بِيَدِ المدنِ والوسائلِ الافتراضيةِ المنقطعةِ عن البيئةِ الطبيعية. والصناعويةُ هي ما يُمَكِّنُ من تضخّمِ المدنِ بالطرازِ السرطانيّ. لقد صارت المدنُ وحوشاً تبتلعُ كوكبَنا. فرغمَ عدمِ وجودِ أيِّ معنى اجتماعيٍّ للمدنِ التي يبلغُ تعدادُها مليونَ أو عشرةَ ملايين نسمة، ورغمَ عدمِ نبوعِ مثل هذه المدنِ من أيةِ حاجةٍ كانت؛ فلا معنى لتضخّمِها بالنمطِ السرطانيِّ سوى أنه مؤشرٌ على المرض.

وتأسيساً على ذلك، فحوادثُ الموتِ الناجمةُ فقط عما تتسببُ به وسائلُ المواصلاتِ من حوادثِ سير، قد تخطَّت إحصائياتِ الحروبِ منذ زمنٍ بعيد. زدْ على ذلك أنها منذ أمَدٍ طويلٍ لَم تَعُدْ أدواتٍ توفِّرُ السهولةَ في المواصلات، نظراً لِما تتسببُ به من ضجيجٍ وتلويثِ جوٍّ وتعريضِ فيزياءِ الإنسانِ إلى الضمورِ والتقزّم. أما وسائلُ التواصلِ الافتراضيِّ والمرئيِّ والمقروءِ الأخرى، والتي تُعَدُّ إحدى الساحاتِ التي تحتلُّ منزلةَ الصدارةِ على لائحةِ الصناعوية؛ فقد صيَّرَت البشريةَ مدمنةً على عالَمٍ افتراضيّ، بعدما اجتثَّت روابطَها مع الحقيقة. أما أكوامُ الأفرادِ المجردين من أواصرِهم مع المجتمعِ على أساسِ الحقيقة، فتُعَبِّرُ عن تَذَرُّرِ المجتمع (تحوُّلُه إلى ذَرّات). في حين إنّ صناعةَ أدواتِ الحربِ والحشودَ المنحلةَ والمتهاويةَ التي خرجَت من كونِها مجتمعاً، قد تجاوزَت منذ زمنٍ سحيقٍ الأبعادَ القادرةِ على ابتلاعِ البشريةِ وبيئتِها. فالإنسانُ بصفتِه كائناً حياً لا يُمكنُه إلا أنْ يتواجدَ بِمَعيةِ بيئتِه ومحيطِه، تَقومُ الصناعويةُ بابتلاعِه أيكولوجياً أيضاً مع ابتلاعِها عدداً جماً من الكائناتِ الحيةِ الأخرى (بما في ذلك النباتاتُ والغاباتُ أيضاً). ومما لا شكَّ فيه هو أنّ تعاطيَ العصرانيةِ الديمقراطيةِ للصناعةِ أيكولوجيٌّ بحت، إزاء تقنياتِ الصناعويةِ الصائرةِ أدواتِ دمارٍ مُسَلَّطةٍ على العالَمِ أجمع، وإزاء الحداثةِ الرأسماليةِ التي تَجعلُها أمراً ممكناً. والصناعةُ غيرُ الأيكولوجية، هي أداةُ تدميرٍ للمجتمعِ بقدرِ الرأسماليةِ والدولةِ القوميةِ على الأقلّ. لا يُمكنُ لعنصرَي الأمةِ الديمقراطيةِ والاقتصادِ المشاعيِّ المنضويَين تحت لواءِ العصرانيةِ الديمقراطيةِ أنْ يظلاّ محرومَين من التقنياتِ والصناعةِ بغيةَ الانسكابِ على أرضِ الواقع. وبالعكس، فهذه العصرانيةُ ومقوماتُها تجعلُ من مواكبةِ التقدمِ العلميِّ والتقنيِّ واستخدامِهما في مجالِ الصناعةِ ضرورةً لا بد منها. وهنا بالتحديدِ يظهرُ المعنى الأصلُ للصناعةِ بالنسبةِ إلى المجتمع. فالصناعةُ ككلٍّ متكامل، لها قيمتُها بمقدارِ ما تُسِهمُ في تحقيقِ وجودِ المجتمع، وتعزيزِ أركانِه الأخلاقيةِ والسياسية، والرقيِّ به ديمقراطياً واقتصادياً. وما لا جدال فيه هو أنّ تحديدَ مستوى ومدى المساهمةِ يتصدرُ لائحةَ مهامِّ الإدارةِ الأخلاقيةِ والسياسية.

بالرغمِ من كونِ مجتمعاتِ الشرقِ الأوسطِ لَم تَشهدْ بَعدُ دماراً على يدِ صناعويةِ الرأسماليةِ بقدرِ ما هي عليه البلدانُ المتروبولية، إلا إنها تعرضَت من هذه الناحيةِ لدمارٍ على المدى الطويل، بسببِ خصائصِ نظامِ المدنيةِ المركزيةِ التي تسببَت بتدميرِ البيئةِ على امتدادِ آلافِ السنين، وكذلك بسببِ بعضِ المساوئِ التي أسفرَ عنها المجتمعُ النيوليتيُّ قبلَ ذلك. وتَكَفُّلُ تلك المجتمعاتِ بدورِ مهدِ المدنيةِ المركزيةِ لفترةٍ زمنيةٍ تناهزُ الخمسَ آلاف سنة، قد أدى إلى تحقُّقِ الدمارِ بأبعادٍ مرتفعة. فالتصحرُ قد تحقَّقَ منذ زمنٍ غابرٍ وبمستوياتٍ عاليةٍ جداً. والمنطقةُ التي كانت يوماً ما جنةَ النباتِ والحيوان، باتت اليوم جهنماً مستعرة. وعليه، فهي في أمسِّ الحاجةِ إلى الحياةِ الأيكولوجية. فصناعةٌ أيكولوجيةٌ خالصة، قد تُعيدُ إلى المنطقةِ عهدَها الخصيبَ القديم. للقضايا الاجتماعيةِ خاصيةٌ على النحوِ التالي: أينما تفاقمَت المشاكلُ العضال، فهناك تستوي سُبُلِّ الحلِّ أيضاً وبالمِثل. لذا، محالٌ التفكيرُ في مشكلةٍ بلا حلّ. حيث إنّ الظروفَ الزمانيةَ والمكانيةَ الشاهدةَ على نشوءِ القضايا، تحتوي بين طواياها ظروفَ الحلِّ أيضاً. ومثلما الحالُ في عمومِ المعمورة، ففي الشرقِ الأوسطِ أيضاً قد بلغَ مبدأُ الحلِّ الأيكولوجيِّ منزلةً تتسمُ بأهميةٍ حلاّلةٍ تساوي قدرةَ الثوراتِ السياسيةِ على الحلِّ بأقلِّ تقدير. وإسرائيلُ تزوِّدُنا بالأمثلةِ الناجعةِ في هذا المضمارِ أيضاً. حيث تستفيدُ من تفوقِها في مجالِ العلمِ والتكنولوجيا، وتستخدمُه في مجالِ الصناعة، مُسَخِّرةً إياه لعرضِ حياةٍ أَشبَهُ بالجنانِ حتى في عرضِ الصحراء. بالتالي، فالصناعاتُ الأيكولوجيةُ التي ستُستَخدَمُ في عمومِ بلدانِ المنطقةِ قاطبةً بالتوازي مع اقتصادِ المشاعة، سوف تُمَكِّنُ ثانيةً مِن أكثرِ ما يحتاجُه المجتمع، ألا وهو إنشاؤُه بنحوٍ متساوٍ وحرٍّ وديمقراطيٍّ ومتواصلٍ وراسخ. حيث إنّ التنميةَ الأيكولوجيةَ هي الحاجةُ الأولى والحقيقيةُ عوضاً عن الصناعوية. فبينما تُقيمُ البلدانُ الأوروبيةُ المتقدمةُ الصناعةَ الأيكولوجيةَ محلَّ صناعاتِها غيرِ الأيكولوجية، فإنّ التحولَ إلى ساحةِ استيرادٍ لسياراتِها ومنسوجاتِها واستجلابٍ لسُوّاحِها، لن ينفعَ سوى في زيادةِ حِدّةِ القضايا الاجتماعيةِ واستفحالِها. وبهذه الطريقةِ أيضاً تُضفي الرأسماليةُ طابعاً عالمياً على عواملِ دمارِ البشرية. على البنيةِ التحتيةِ التكنيكيةِ للعصرانيةِ الديمقراطيةِ أنْ تَكُونَ أيكولوجيةً دون بُد. أما الاقتصادُ الأيكولوجيُّ المشاعيُّ الذي سيُطَوَّرُ دون الانزلاقِ نحو الصناعويةِ أو إنكارِ الصناعة، فسيغدو القوةَ المخوَّلةَ لتأمينِ الأرضيةِ القويمةِ والوحدةِ الحصينةِ للعصرانيةِ الديمقراطيةِ والحياةِ الوطنيةِ الديمقراطيةِ في آنٍ معاً. وباعتبارِ كردستان بلداً قَلّما شهدَ نماءَ وتطوُّرَ الرأسماليةِ والدولتيةِ القوميةِ والصناعوية، فهي قادرةٌ على الاستفادةِ من وضعِها هذا بأحسنِ صورة، لأجلِ إنجازِ الإنشاءِ الأيكولوجيِّ والاقتصاديِّ المشاعيّ. أي، بمقدورِها تحويلُ تخلُّفِها في هذا السياقِ إلى ظروفٍ مناسِبةٍ لصالحِها. حيث تستطيعُ تنظيمَ جميعِ الحشودِ البشريةِ وجيوشِ العاطلين عن العملِ ضمن إطارِ الاقتصادِ الأيكولوجيِّ والمشاعيّ، لِتُعيدَ إنشاءَ بلادِ الجنانِ القديمةِ في هيئةِ أمةٍ ديمقراطيةٍ تَمضي قُدُماً على دربِ الحضارةِ الديمقراطية. ولأجلِ ذلك، يَكفي فقط التحلي بكرامةِ وعزّةِ العيشِ في بلدٍ حرٍّ ومجتمعٍ ديمقراطيِّ لدرجةِ العشقِ والهيام!ّ

لأدب الثوري

الأدب لغة الواقع.

دبلوماسية الأمة الديمقراطية

إنّ دبلوماسيةَ الأمةِ الديمقراطيةِ وسيلةٌ لتكريسِ السلمِ والعلاقاتِ المفيدة لا لإشعالِ فتيلِ الحروب

مصير الحداثة الرأسمالية في الشرق الأوسط

فالدوليات القوميةُ العربية القديمةُ منها أو تلك الجديدةُ المُرادُ تشييدُها لَم ولن تتعدى دورَ حَفّارِ القبورِ فيما يتعلقُ بالحياةِ الاجتماعيةِ من جهة وإزاء التقاليدِ الإسلاميةِ من جهةٍ ثانية

2017 © Partiya Karkerên Kurdistan (PKK)
[email protected]