23.01.2017

مصير الحداثة الرأسمالية في الشرق الأوسط

فالدوليات القوميةُ العربية القديمةُ منها أو تلك الجديدةُ المُرادُ تشييدُها لَم ولن تتعدى دورَ حَفّارِ القبورِ فيما يتعلقُ بالحياةِ الاجتماعيةِ من جهة وإزاء التقاليدِ الإسلاميةِ من جهةٍ ثانية

 

 

 

عبدلله الوجلان

 

تماشياً مع القولِ الشعبيِّ المأثورِ "كلُّ عشبٍ ينمو على جذرِه"، فإنّ كفةَ الاحتمالِ الراجحةَ تشيرُ إلى أنه – ورغمَ كلِّ التحفظات – سيُحَدَّدُ مصيرُ الحداثةِ الرأسمالية، التي هي نظامُ المدنيةِ المركزيةِ الأخير، وفق سَيرِ الصراعاتِ الدائرةِ في الشرقِ الأوسط. فبالرغمِ من الحاكميةِ الساحقةِ للحداثةِ الرأسماليةِ في حاضرِنا، إلا إنّ الرأسماليةَ من حيث أصولِها اعتُبِرَت على مرِّ التاريخِ البشريِّ شذوذاً اجتماعياً هامشياً أرعناً، وتضاداً مع مسارِ التدفقِّ العامِّ للإنسانية. وتعاكُساً مع الدياليكتيكِ الكونيِّ للطبيعةِ أو انشقاقاً عنه. أما صعودُ الرأسماليةِ وتأسيسُها هيمنتَها العالميةَ خلال القرنِ السادس عشر، فشبيهٌ إلى حدٍّ ما بحكايةِ "الأربعين حرامي". لولا الشذوذُ الفاقعُ لجغرافيا أوروبا الغربيةِ ولثقافاتِ المجموعاتِ القاطنةِ فيها عن مجرى التيارِ العامِّ للمدنية، والصراعاتُ المذهبيةُ في العالَمَين الإسلاميِّ والمسيحيّ، وغاراتُ المغولِ المدمِّرةِ والكاسحة، والعوالمُ المنزويةُ التي تستمرُّ بوجودِها في الصين على شكلِ سلالات؛ لولا كلُّ ذلك، لَما كان بمقدورِ الرأسماليةِ انتهازُ الفرصةِ في أوروبا الغربيةِ للانتقالِ إلى طورِ بسطِ هيمنتِها. هذا وينبغي عدم التناسي قطعياً أنّ هذه الانطلاقةَ المهيمنةَ تحققَت في جُزَيرةٍ (الجزيرة البريطانية) لا يُتَوَقَّعُ منها هذا بتاتاً، حيث تقعُ في الأقاصي الغربيةِ لأراضٍ فسيحةٍ تتحدُ فيها ثلاثُ قاراتٍ بأكملِها على خطٍّ مثل خطِّ أمستردام – لندن. ذلك أنّ نخبةً ضيقةً من أصحابِ السلطةِ ورأسِ المالِ المنفيين إلى الجزيرة، استماتَت في اللوذِ عن نفسِها كي لا تُبتَلَعَ من قِبَلِ الإمبراطورياتِ القائمةِ على برِّ الجزيرة، فكان النصرُ حليفَها.

كانت تلك النخبةُ قد كوَّنَت لنفسِها خلال تلك الحربِ ثلاثَ أسلحةٍ مستَحدَثة. وهذه الأسلحةُ الثلاثُ المُطَبَّقةُ بنجاحٍ موفقٍ منذ القرنِ السادس عشر حتى القرنِ التاسع عشر، بل وحتى أواسطِ القرنِ العشرين أيضاً، كانت المقوماتِ الأوليةَ الثلاثةَ للحداثةِ الرأسمالية، ألا وهي: جنوحُ رأسِ المالِ الدائمُ إلى الحظيِ بالربحِ الأعظميّ، وترتيبُ السلطةِ في هيئةِ الدولةِ القومية، والصناعويةُ المتزامنةُ مع مرحلةِ العبورِ من المانيفاكتورة إلى الثورةِ الصناعية. والعالَمُ المغزوُّ خلال القرنَين الأخيرَين بوساطةِ تلك العناصرِ الثلاثة، هو فعلاً عالَمٌ غريبٌ وغيرُ مألوف. لا شكّ في أنّ هذا ليس – ولا يُمكنُ أنْ يَكُونَ – نظاماً إلهياً هبطَ من السماء. موضوعُ الحديثِ هنا هو عالَمُ الهيمنةِ لقوةٍ كامنةٍ خفيةٍ وشاذة، اعتُبِرَت على الدوامِ مجرماً متخفياً في تصدعاتِ وثغراتِ ودهاليزِ نظامِ المدنيةِ المركزيةِ على مرِّ خمسةِ آلاف عاماً بأكملِه، وحُوكِمَت دوماً من قِبَلِ البشريةِ على أنها بمثابةِ "الأربعين حرامي". أما ازدهارُها وتَعَولُمُها في أوروبا، فيُعزى إلى الميزةِ الفتاكةِ لتلك الأسلحةِ الثلاثةِ التي استخدمَتها. وعن طريقِ عالَمِها العلميِّ الذي كوَّنَته بغية التحكمِ أيديولوجياً بالمجتمعِ والطبيعة، وعالَمِ الدولِ القوميةِ الذي كان إنكارُ السياسةِ ثمناً له، وعالَمِ الصناعويةِ والربحِ الأعظميِّ الذي يبتلعُ المجتمعَ والبيئة؛ فإنّ المرحلةَ التي تمَّ بلوغُها هو نفاذُ أو إفلاسُ المجتمعِ والفردِ والبيئةِ بصورةٍ كاملة. أما الرأسماليةُ الماليةُ التي تركَت بصماتِها على الهيمنةِ اعتباراً من أعوامِ 1970، فهي نظامٌ نقيضٌ تماماً للطبيعةِ والمجتمع. فاستحواذُها على مربحٍ يَصِلُ ترليون دولاراً في يومٍ واحدٍ عن طريقِ التلاعبِ بالأرقامِ الافتراضيةِ أو بالقطعِ النقدية، إنما يكفي – بطبيعةِ الحالِ – لإثباتِ مدى كونِ هذا النظامِ نظامَ لصوصيةٍ ولاشرعيةٍ وبربريةٍ (القتل الفيزيائيّ والمعنويّ) أنكى أربعين مرةً من "الأربعين حرامي."

الكلُّ يَعتَبِرُ الأزمةَ الأخيرةَ المولوجةَ أزمةً بنيويةً للرأسمالية. في الحقيقة، لا داعي للقولِ أيضاً أنها آخِرُ أزمة. فالرأسماليةُ بذاتِ نفسِها أفتكُ أزمةٍ مميتةٍ اكتَسَبَت طابعاً دائمياً في نظامِ المدنية. وبسطُها سلطانَها خلال القرونِ الخمسةِ الأخيرةِ قد عرضَ للملأِ خصائصَها الرئيسيةَ زيادةً عن اللزوم، وذلك من خلالِ ما أسفرَت عنه من حروبِ إبادةٍ وتطهيرٍ عرقيّ، عملياتِ نهبٍ وسلبٍ مريعةٍ للمستعمَرات، استغلالِ الكدح، وتدميرِ البيئة، وباستنفاذِ الفردِ والمجتمعِ واستهلاكِهما في نهايةِ المطاف. وبمجردِ الانتباهِ إلى أنّ إحصائيةَ الحروبِ المندلعةِ خلال القرنِ الأخيرِ فحسب، تضارعُ إحصائياتِ كافةِ الحروبِ التي شهدَها تاريخُ البشريةِ بأضعافٍ مضاعفة، فبمقدورِنا القولُ بكلِّ سهولةٍ أنّ النظامَ لا يتسمُ بالطابعِ المتأزمِ فقط، بل ويتحلى أيضاً بخصائص سرطانيةٍ من أجلِ المجتمعِ البشريِّ وبيئتِه. وعليه، فمن المفهومِ جلياً أنّ النظامَ الذي طفَت مزاياه هذه على السطحِ منذ زمنٍ بعيدٍ داخلَ بؤرِه الأُسِّ ومراكزِه العالمية، وضعُه جدُّ عصيبٍ داخل منطقةِ الشرقِ الأوسط، التي تُعَدُّ مركزَ الثقافةِ التاريخيةِ للبشرية. حيث إنّ عمليةَ فرزِ الدولةِ القوميةِ في غضونِ القرنِ الأخير، لا تكفي لإنقاذِ الحداثةِ الرأسمالية. هذا وقد تَجَلّى جلاءَ الشمسِ كونُ الدولتيةِ القوميةِ الصغرى في الشرقِ الأوسط، ليست سوى أداة لتكريسِ تَحَكُّمِ الحداثةِ الرأسمالية. كما إنّ الدولَ القوميةَ الراهنةَ تتصفُ في المنطقةِ بمعانٍ تُماثِلُ ما كانت تُجَسِّدُه أقاليمُ الإمبراطوريةِ الرومانيةِ ضمن المنطقةِ ذاتَ يوم. قد تَكُونُ أكثرَ تواطؤاً في أدوارِها من الأقاليمِ الرومانيةِ بمراتٍ عديدة، حيث إنها على مسافةٍ بعيدةٍ من التقاليدِ الثقافيةِ في المنطقة؛ وكلما حاولَت الدنوَّ منها، تغدو على تناقضٍ كليٍّ معها. هذا ويُعتَبَرُ عنصرا الربحِ المفرطِ والصناعويةِ في الحداثةِ الرأسماليةِ بعيدَين كلَّ البُعدِ عن تفعيلِ ثقافةِ المنطقةِ بنحوٍ عميق. كما إنّ وسائلَ الدولةِ القوميةِ الأكثر استخداماً، تمرُّ بمرحلةِ تهشُّمٍ وتآكلٍ سريعة، مثلما هي حالُها في عمومِ أصقاعِ العالَم. إنّ وسائلَ الدولةِ القوميةِ لا تَفي بالغرض، حتى من أجلِ الاستمرارِ بالأزمةِ المتجذرةِ كما هي، فوجودُها يُزيدُ من تعزيزِ الأزمةِ أكثر فأكثر.ولدى تقييمِنا للوضعِ الأخيرِ للدولةِ القوميةِ في المنطقة، ولحضورِها حيالَ المستجداتِ المحتَمَلة؛ فبإمكانِنا تبيانُ ما يلي:

a-لقد أمسَت الدولتيةُ القوميةُ العربيةُ تناقضاً رئيسياً يستقطبُ حتى غيظَ شعوبِها وحنقتَها الشديدةَ منذ أمَدٍ بعيد. حيث إنّ الدولةَ القوميةَ العراقيةَ التي تَبدو وكأنها الأعتى والأقوى، هي بحالتِها الراهنةِ بمنزلةِ مقبرةِ الدولةِ القومية. فمثلما يَسودُ العجزُ عن تأسيسِ دولةٍ جديدةٍ مكان القديمةِ المنهارة، فإنّ احتمالَ انقسامِها إلى ثلاثِ دولٍ قوميةٍ سيُزيدُ من حِدّةِ الإشكاليات، منتقلاً بالاشتباكاتِ إلى أبعادٍ تصلُ حدَّ التطهيرِ العرقيّ. إذ يَلوحُ فيما يَلوحُ أنّ الدولَ القوميةَ الثلاثَ: أي العربيةَ الشيعيةَ والعربيةَ السنيةَ والكردية، ستَكُونُ شاهدَ عيانٍ على أكثرِ المشاهدِ دمويةً يرصدُها القرنُ الحادي والعشرون. ولدى إمعانِ النظرِ في الوضعِ القائم، ومقارنتِه بمجزرةِ حلبجة المُعاشةِ في الماضي القريبِ بالإضافةِ إلى المجازرِ الأثنيةِ والمذهبيةِ الأخرى؛ فسيُدرَكُ بنحوٍ أفضل مدى وحشيةِ وفظاعةِ الاشتباكاتِ الدولتيةِ القوميةِ المستقبلية. المُرادُ ذِكرُه هنا هو حاضرٌ ومستقبلٌ شبيهان إلى حدٍّ بعيدٍ بحادثةِ إفناءِ دولِ المدينةِ بعضَها بعضاً في التاريخِ السومريّ. بمعنى آخر، لن يَكُونَ خطأً اعتبارُ الحالِ الراهنةِ والمستقبلِ القريبِ لجميعِ الدولِ القوميةِ العربيةِ بدءاً من المغربِ إلى اليمن، ومن السودانِ إلى سوريا ولبنان، على أنهما لا ولن يختلفان عما هو عليه العراقُ اليوم. وعلى الرغمِ من صِدامِها وتنافرِها ظاهرياً مع إسرائيل، إلا إنها مضموناً تُعَزِّزُ وجودَ إسرائيل وتُنعِشُها موضوعياً. حيث إنّ وجودَها جميعاً ممكنٌ عبر هيمنةِ إسرائيل. ولَربما كانت الدولُ القوميةُ العربيةُ أكثرَ مَن هو بحاجةٍ ماسةٍ إلى إسرائيل.

تُعَدُّ النزعةُ الإسلاميةُ السياسيةُ بصفتِها قومويةً سائدةً في العالَمِ العربيِّ مشحونةً بالإشكالياتِ العضالِ التي تضارعُ ما هي عليه القومويةُ العلمانيةُ ودولتيتُها القوميةُ بدرجاتٍ كبيرة. وهذه القوموياتُ المعتمدةُ على استغلالِ الإسلامِ الثقافيِّ وتوظيفِه لخدمتِها، لن تذهبَ في دورِها إلى أبعد من التحولِ إلى حركةٍ فاشيةٍ متأخرة. بل حتى إنّ عجزَها عن تخطي دورِ تنظيمٍ استفزازيٍّ بارافانيٍّ مُسَخَّرٍ كلياً في خدمةِ الدولِ القومية، مثلما لوحِظَ في مثالِ تنظيمِ القاعدة؛ أضحى واقعاً مُسَلَّماً به. وعليه، فالدولتياتُ القوميةُ العربية، القديمةُ منها أو تلك الجديدةُ المُرادُ تشييدُها، لَم ولن تتعدى دورَ حَفّارِ القبورِ فيما يتعلقُ بالحياةِ الاجتماعيةِ من جهة، وإزاء التقاليدِ الإسلاميةِ من جهةٍ ثانية. أما المُكَوِّنان الآخران للرأسمالية، أي نزعةُ الربحِ المفرطِ ومؤسساتُ الصناعوية؛ فليست في حالٍ أفضل أو أبهى مما عليه الدولتيةُ القومية. فالربحُ والصناعويةُ المرتكزان إلى النفطِ والعمار، هما من أكبرِ مصادرِ الإشكالياتِ المستقبلية. فعندما ينقضي النفط، وبوجودِ المدنِ المتعاظمةِ كالوَرَم؛ قد يَكُونُ المستقبلُ المنظورُ أَشبَهَ بيومِ المحشرِ الحقيقيِّ بالنسبةِ إلى العرب.

b-سواء كانت تُوَجَّهُ أمريكياً – أوروبياً أم روسياً، فإنّ الدولتياتِ القوميةَ التركيةَ ببُناها الصغرى لن تستطيعَ البتةَ القيامَ بدورِ السلطاتِ والدولِ القديمةِ ذاِ الأصولِ التركية، ولا تَخَطّي مكانةِ ولاياتِ النظامِ الذي تتبعُ له. وانطلاقاً من شكلِ تشييدِها، فقد كان حُدِّدَ مسارُها أساساً بموجبِ الاحتياجاتِ الإقليميةِ للهيمناتِ الرأسماليةِ والاشتراكيةِ المشيدة. وكانت قد كُلِّفَت بوظيفةِ التخلصِ من عبءِ الماضي المُعرقِلِ سدِّ الطريقِ أمام تمرداتِ شعوبِها. وبنظرةٍ خاطفةٍ إلى ماضيها خلال العقودِ التسعةِ المنصرمة، فبوسعِنا الإشارةُ يسيراً إلى أنها أدت دورَها هذا، وكأنها مُناطةٌ بمَهَمّةِ عكسِ الدورِ الذي قامَ به الأتراكُ خلال الأعوامِ الألفِ المنقضية، وقَلبِه رأساً على عقب. وجميعُها تُعَوِّلُ على التحجيمِ والتقزمِ والتقوقع، وتتصرفُ وكأنها غيرُ مسؤولةٍ أبداً إزاء ثقافةِ المنطقةِ وشعوبِها، بل وحتى إنها عاجزةٌ عن القيامِ بدورٍ إيجابيٍّ حيالَ بعضِها البعض. وهذا الوضعُ على علاقةٍ كثيبةٍ بعاداتِ الحياةِ والعقليةِ القومويةِ والدولتيةِ الضيقةِ التي أُوقِعَت وأُقحِمَت فيها. بالتالي، فهي بحالتِها الراهنةِ لن تستطيعَ أنْ تَكُونَ حتى ظلاً للماضي الذي لَطالما تُكيلُ له النقدَ اللاذعَ أو تُحاكيه وتتشبَّهُ به في بعضِ الأحايين. وعليه، فهي تُعَدُّ أكثرَ الدولِ القوميةِ التي تستلزمُ المرورَ بالإصلاحِ في المستقبلِ المنظور.

لكنّ معالمَ النموذجِ المتجسدِ تحت اسمِ جَمِيعةِ الإسلامِ التركيِّ في الآونةِ الأخيرة، تتشكلُ مرةً أخرى بمقتضى احتياجاتِ البيدقِ الأماميِّ للنظامِ المهيمن، أكثر من كونِها إصلاحاً. ومثلما لَم يَطرأْ عليها أيُّ تحولٍ يُذكَرُ من حيث المضمون، فمن غيرِ الواردِ كثيراً قيامُها بانتزاعِ أيةِ حصةٍ من المشادّاتِ التي دخلَتها مع أسيادِها. ومثلما حالُ العربِ تماماً، فحتى لو جُمِعَت جميعُها، فلَن تساويَ إسرائيلاً واحدة؛ بل ولا خيار أمامها سوى الانضواء تحت هيمنةِ إسرائيل والارتباط بسيادتِها. فكيفما رُبِطَ نشوءُها بظروفِ ولادةِ إسرائيل، فإنّ مصائرَها في المراحلِ المتأخرةِ من عهودِها أيضاً، ستُحَدَّدُ ارتباطاً بوجودِ إسرائيل. وبالطبع، سيَكُونُ الأمرُ كذلك في حالِ عدمِ تجاوُزِها العقلياتِ الحاليةَ وقوالبَ الحياةِ السائدة. والعنصران الآخران للحداثةِ الرأسماليةِ لا يَمُدّانِها بالأملِ الكثير. فالصناعويةُ المتأسسةُ ضمن الجمهوريةِ التركيةِ على خلفيةِ قطاعاتِ النفطِ والغازِ واستخراجِ بعضِ المعادنِ والسياحةِ والمواصلاتِ والمنسوجاتِ بصورةٍ خاصة، قد حوَّلَت الأراضيَ الآهلةَ بالسكانِ إلى مقابر منذ الآن. أما نزعةُ الربحِ المفرطِ بجنونٍ طائش، فتُبيدُ الأيكولوجيا والثقافةَ التاريخيةَ التي في حوضِ نهرَي دجلة والفرات، ساعيةً بذلك إلى تعريضِ الشعبِ الكرديِّ القاطنِ في هذه المساحةِ إلى نفسِ العاقبةِ التي حلّت بالشعبَين الأرمنيِّ والسُّريانيّ. إذ إنّ الدولةَ القوميةَ التركيةَ تعتقدُ أنّها بممارسةِ الإبادةِ الكرديةِ الأخيرةِ سوف تغدو آخِرَ دولةٍ قوميةٍ خالدةٍ وأبديةٍ "متلاحمةٍ مع وطنِها وأمتِها". وعليه، فمن الواضحِ تماماً أنه في حال لَم تَقُمْ الدولتيةُ القوميةُ التركيةُ وحداثتُها بتغييرِ براديغماها، فلن تذهبَ في المستقبلِ القريبِ أبعدَ من أداءِ دورِ حفّارِ القبورِ من أجلِ الشعبَين التركيِّ والكرديِّ أولاً، ولأجلِ كافةِ شعوبِ المنطقةِ الأخرى وثقافاتِها الاجتماعيةِ ثانياً.

c-وضعُ إيران والدولِ القوميةِ الأخرى أكثر إشكالية. أما أفغانستان وباكستان، فتشهدان من الأساسِ أزمةَ الدولتيةِ القوميةِ بكلِّ وحشيتِها وفظاعتِها. وحروبُ الدولةِ القوميةِ المندلعةُ خلال القرنِ الأخير، قد سلَّطَت على رؤوسِ تلك الشعوبِ وثقافاتِها نكباتٍ ربما تَفُوقُ حِدّةً عما عليه القنبلةُ الذّرّية. فالشعوبُ المذكورةُ آنفاً تتعرضُ للدمارِ والاغتيالاتِ والمؤامراتِ بما لَم تَألَفْه في أيِّ عصرٍ من عصورِ تاريخِها. في حين قد تُواجِهُ إيرانُ كارثةً ذَرّيّةً في كلِّ لحظة. فالثقافةُ الإيرانيةُ ضمن عراكٍ دائمٍ ومنذ البدايةِ مع الحداثةِ الرأسماليةِ عموماً والدولتيةِ القوميةِ خصوصاً. وهي تُقاوِمُ كلَّ هذه العناصر. ومنذ الآن تَعي الشعوبُ الإيرانيةُ أنه حتى المذهبُ الشيعيُّ المفروضُ عليهم كظاهرةٍ محليةٍ وتاريخيةٍ للغاية هو قومويةٌ خالصة، ونسخةٌ مشتقةٌ من الحداثةِ الرأسمالية، وقناعٌ أَفرَغَ الثورةَ الإيرانيةَ الإسلاميةَ من فحواها؛ وبناءً على ذلك تَقومُ تلك الشعوبِ بالانتفاضِ والعصيان. والأحداثُ الجاريةُ في أفغانستان وباكستان لا تختلفُ عن ذلك. حيث يَسودُ العجزُ في طمسِ الحقيقة، رغم كلِّ بَهلَوانياتِ حزب الله والقاعدة وطالبان. هذا وينبغي عدم إغفالِ أنّ دولاً قوميةً خنوعةً وذليلةً قد شادت الكياناتِ الثلاثةِ المموَّهة، أي حزب الله والقاعدة وطالبان، بحيث باتت تستخدمُها الآن كورقةِ ضغطٍ تَبتَزُّ بها أسيادَها المهيمنين كأمريكا والاتحادِ الأوروبيّ، بغيةَ انتزاعِ حصةٍ أكبر لنفسِها. أي إنها تستخدمُ أدواتِ التآمرِ والاغتيالِ والمجازرِ تلك التي أَسَّسَتها سويةً حيالَ بعضِها بعضاً، وذلك بغرضِ تربيةِ وتدجينِ بعضِها البعض، وللحصولِ على حصةٍ أكبر. ويَبدو فيما يَبدو أننا وجهاً لوجهٍ أمام أدواتٍ ابتُكِرَت لأجلِ أقذرِ وأشنعِ الألاعيبِ التآمريةِ التي عرفَها التاريخ. إذ تُقتَلُ الشعوبُ وتُفنى الثقافاتُ بالتلاعبِ بأدواتِ التآمرِ تلك، وكأنّ لعبةَ البولنج هي السارية. واضحٌ وضوحَ الشمسِ أنه لا النظامُ قادرٌ بهذه الأدواتِ على إيجادِ مكانٍ أوسع له في منطقةِ الشرقِ الأوسط، ولا الدولُ القوميةُ المتحالفةُ معه قادرةً على الفلاحِ بها. ونخصُّ بالذِّكرِ إيران، التي تعتقدُ بإمكانيةِ تغلبِها على الحداثةِ الرأسماليةِ باللجوءِ إلى تقاليدِ الدولةِ العريقةِ جداً لديها، أو بالأحرى، إنها تظنُّ بمقدرتِها على الحظيِ برضى النظام، من خلالِ إيمائِها بذلك. ويَبدو فيما يَبدو أنّ استثمارَ التاريخِ بهذا المنوالِ هو أنكى وأَفتَكُ أشكالِ الفناءِ والاضمحلال. فالاعتقادُ بإنقاذِ الدولتيةِ القوميةِ عبر خلطِ الحداثةِ بالتقاليدِ التاريخية إلى هذه الدرجة، وخلطِ التقاليدِ بالحداثةِ إلى تلك الدرجة، لا يُمكنُ إيضاحُه إلا بـ"مَكرِ العجم". وانطلاقاً من هذه الأسبابِ والعلل، لَربما سوف تُرسَمُ ملامحُ المستقبلِ المنظورِ للشرقِ الأوسطِ عن طريقِ إيران. وبالفعل، تُعتَبَرُ إيران بمنزلةِ المحورِ الأمِّ لمداولاتِ الحداثة. إذ سوف تزدادُ النقاشاتُ الأيديولوجيةُ والسياسيةُ بصددِ الحداثةِ تعاظماً واتساعاً، مهما قامَت بتحريفِ مجرى القومويةِ الشيعية. ويَلوحُ أنّ الشعوبَ الإيرانيةَ تعرفُ الحداثةَ الرأسماليةَ بما يزيدُ على الشعوبِ الأخرى، ولا تخنعُ لها. ومهما عَوَّلَت القومويةُ الشيعيةُ الحاليةُ على مناهَضةِ إسرائيل وأمريكا والغربِ عن باطلٍ ورياء، إلا إنها لن تستطيعَ عرقلةَ بحوثِ وتطلعاتِ الشعوبِ الإيرانيةِ بشأنِ الحداثةِ المناسبةِ على المدى الطويل. بل ولن تقدرَ على إنقاذِ مواقفِها المُقَنَّعةِ حيال بحوثِ الشعوبِ وطموحاتِها تلك، حتى لو تساومَت مع أمريكا وإسرائيل. فالبحثُ عن الحقيقةِ وطيدٌ في الثقافةِ الإيرانية. علاوةً على وجودِ تقاليدِ حياةٍ مشاعيةٍ في إيران، عريقةٍ بقدرِ عراقةِ التاريخ. بناءً عليه، قد نَشهدُ حربَ حداثةٍ بكلِّ معنى الكلمةِ في مستقبلِ إيران القريب. وفي الحقيقة، فالثورةُ الإسلاميةُ المندلعةُ عام 1979 كانت حربَ حداثة، ولكنها حُرِّفَت. بالتالي، بمستطاعِ الشعوبِ الإيرانيةِ الاعتمادُ على الدروسِ المُستَنبَطةِ من تلك الثورةِ ومن تواريخِهم، أثناء خوضِهم حروبَ الحداثةِ التي ستنمُّ في المستقبلِ المنظورِ عن آفاقٍ شاسعةٍ لأجلِ شعوبِ الشرقِ الأوسطِ قاطبة؛ ليشقوا بذلك الطريقَ نحو مستجداتٍ تَليقُ بتاريخِهم وتاريخِ الشرقِ الأوسط. ولهذا السببِ بالتحديد، تتسمُ مداولاتُ العصرانيةِ الديمقراطيةِ والتجاربُ الميدانيةُ بشأنِها بعظيمِ الأهمية، وتُعَدُّ الدليلَ المرشدَ في ذلك.

 

لأدب الثوري

الأدب لغة الواقع.

حل العصرانية الديمقراطية في أزمة الشرق الأوسط

يَكفي فقط التحلي بكرامةِ وعزّةِ العيشِ في بلدٍ حرٍّ ومجتمعٍ ديمقراطيِّ لدرجةِ العشقِ والهيام

دبلوماسية الأمة الديمقراطية

إنّ دبلوماسيةَ الأمةِ الديمقراطيةِ وسيلةٌ لتكريسِ السلمِ والعلاقاتِ المفيدة لا لإشعالِ فتيلِ الحروب

2017 © Partiya Karkerên Kurdistan (PKK)
pkkiletisim@gmail.com