30.03.2017

عيد الطبيعة والالهة والانسان

الدلالات الميثولوجية لطقوس الاشوريين واحتفالاتهم بعيد اكيتو

 

 

 


  


اعداد شيلان زاغروس

في الاول من نيسان من كل عام ، يحتفل الشعب الاشوري (سريان /كلدان ) في سوريا وباقي مناطق وجوده ، بعيد اكيتو راس السنة الاشورية جريا على عادات اسلافه في بلاد ما بين النهرين ، حيث يقيم الاشوريون احتفالات شعبيعة بين احضان الطبيعة بحسب الطقوس والتقاليد الاشورية القديمة، مثل تقديم القرابين للالهة والهدايا للملوك واقامة شعائر احتفالات زواج جماعي، فيعقدون المهرجانات الفنية والتراثية ، من غناء ودبكات ( زقص شعبي ) وغيرها من التقاليد القومية التي تعبر عن عبق الحضارة الاشورية واريج التراث السرياني الاصيل.

لقد كان للاسطورة دور هام واساسي في حياة الشعوب القديمة ، ولاسيما في بلاد ما بين النهرين حيث شكلت الاسطورة المساحة الفكرية واايديولوجية التي جرت عليها احداث "الدراما الالهية " عند الاشوريين القدماء : اذ لقد وجدوا في ظواهر الانسان الاكادي ( البابلي/الاشوري ) يطمح اليها وربطها بالمناسبات والممارسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في المجتمع فحين ندقق في الطقوس والشعائر الدينية التي كان يمارسها الاشوريون قديما في احتفالاتهم ، نجد انها نتطوي على الكثير من الارهاصات الفكرية والفلسفية الهامة التي ستعرض لبعضها في ايجاز فيمايلي .

التصور الاشوري للتاريخ

لا شك ان ضرورات تنظيم الاحداث والظواهر الطبيعية والاجتماعية ذات التاثير المباشر على الحياة والنشاط الزراعي وضبطها دفعت الانسان الاشوري الى وضع اول تقويم سنوي (روزنامه) وقد شكل ذلك التقويم مرحلة انعطاف كبيرة وهامة في حياة المجتمعات القديمة ، اذ كان بداية تكوين ذاكرة الانسان التاريخية فالتقويم الاشوري ليس مجرد تاريخ لوقائع وحوادث تحدث في المجتمع او تدوين لظواهر طبيعية ، بل هو كذلك انجاز علمي هام حققه الانسان  النهريني في مجال العلوم الطبيعية وعلم الفلك فتحديد بداية السنة الاشورية مع تجدد الحياة في الطبيعة وبداية دورتها وخصوبتها في نيسان وتعيين تعاقب الفصول الاربعة يضعنا امام التصور الاكادي –البابلي –الاشوري للتاريخ من حيث هو حركة دائرية مغلقة وهذا يذكرنا بالمقولة الارسطية القائلة بان " الطبيعة تضمن الخلود للنوع عن طريع عودها الدوري " وهذا يؤكد على ما كان للتقويم من وظيفة هامة في الحياة الفكرية والذهنية الاشورية انذاك

دائرة الخلق والتكوين

لقد تمحورت الميثولوجيا الاشورية (الاكادية /البابلية) حول ثلاثة محاور اساسية هي : التكوين (الخلق ) والالهة والانسان.وقد جاء في اسطورة اينوما ايليش التي كتبت باللغة (الاكادية ) نقول: جاء في هذه الاسطورة ان الالهة ،بعد ان اجمعت على ادانة الاله كنينو بصفته مذنبا، حكم عليه سيدها مردوخ بالموت ذبحا ليخلق من دمه الانسان. فلو دققنا في هذه الاسطورة والتحفة الادبية الرائعة ، لوجدناها تنطوي على تكوين الانسان بقرار الهي جاء في اطار تنظيم العالم الجديد الذي نشا مع اندحار قوى العماء والفوضى والنشر. فهذه الاسطورة تفصح عن المضامين الدينية والميتافيزيقية لطقوس احتفالات الاشوريين قديما في نيسان بعيد اكيتو، راس السنة الاشورية,

دائرة الحياة الابدية والخلود

لقد انطلق الانسان في بلاد الرافدين ، منذ القديم ، في اتجاه الكون بابعاده الثلاث – الطبيعة ، الالهة ، الانسان – متجاوزا ذاته الى الذات الالهية ، التي راى فيها مصدر كل فعل كوني، وتوجه اليها متسائلا عن سر الخلود والحياة الابدية . اذ تروي لنا ملحمة كلكامش البابلية ، التي تعود الى العام 2650 ق م وتعتبر اقدم نماذج الادب الملحمي في تاريخ الحضارات ، ان كلكامش انطلق بعد موت صديقه انكيدو، بدافع حبه الشديد له وحزنه العميق على فقده ، مسافرا في رحلة طويلة يبحث فيها عن سر الخلود الذي استاثرت به الالهة منذ اللحظات الاولى للخليقة وحرمت الانسان منه . ولئن فشل كلكامش في الدخول الى عالم  الالهة والوصول الى الحقيقة المطلقة للموت والحياة وتحقيق الخلود لبني البشر في العالم السفلي، الا انه لم يفقد الامل في الخلود ولم يقطع صلته بالالهة، بل استطاع ان يرضي بعضها ويقنعها بالهبوط بنفسها الى الارض والعالم السفلي عالم الانسان (كهبوط عشتار وزواجها من تموز) لتشاركه افراحه واتراحه ، املا في ان تكشف له عن السر –الى ان جاءت الديانات السماوية لاحقا لتكمل رسم صورة الحياة الابدية في الاخرة كما تخيلتها ذهنية الانسان الاكادي –البابلي – الاشوري.

جدلية الموت والانبعاث

اتخذت جدلية الموت والانبعاث عند البابلين والاشورين في بلاد ما بين النهرين اشكالا انسانية وجدلية وحياتية واقعية . وقد عبرت معظم الاساطير والملاحم القديمة في سومر وبابل واشور عن هذه الجدلية من خلال الصراع بين الخير والشر، وعلاقات الحب والتزواج بين الالهة ، كما في اسطورة تموز وعشتار. وتشكل ملحمة الخلق والتكوين البابلية اينوما ايليش محور الميثولوجيا الاشورية ، حيث كانت لها اهمية كبيرة ، خاصة في الاحتفالات باعياد راس السنة الجديدة ففي اليوم الاول من الاحتفالات، التي كانت تستمر اثني عشر يوما، كانت هذه الملحمة تقدم على شكل "مسرحية الام " احتفاء بذكرى انتصار الاله مردوخ على( التنين تعامة العماء ) صاحب الجبروت ، وتخليدا لاحداث موته وقيامته من الاموات في اليوم الثالث. وهذا نشير الى امرهام ، وهو ان احتفالات المسيحية في نيسان من كل عام بذكرى انتصار السيد المسيح على قوى الشر وقيامته من القبر ما هي الا استمرار لتلك الاحتفالات والطقوس القديمة لشعوب بلاد ما بين النهرين في نيسان.

دائرة التجسد والخلاص

كذلك كان الاشوريون منذ القديم ينظرون الى الانسان على انه يتكون من جسد وروح: فهو يشارك الالهة، بقدرما كانت الالهة مشاركة له في انسانيته، في صيغة "اله –انسان –" او الانسان –اله " وذلك من خلال تاليه عظماء الملوك وهبوط الالهة الى العالم السفلي، موطن الانسان . وتحدثنا اسطورة اينوما ايليش، في موضع اخر عن احتفالات نيسان وكيف كانت تتسنم ذروتها مع تتويج مردوخ ملكا –الها على الكون – هذا الاله الذي عبده الاشوريون في شخص الاله اشور الاههم القومي وهو يبرز هنا كمخلص عظيم للانسان،  وهذه اشارة واضحة ذات دلالة على ان فكرة "الخلاص " التي قامت علها العقيدة المسيحية لاحقا هي اصلا فكرة اكادية اشورية قديمة ففي احدى المخطوطات الاشورية التي تعود الى القرن السادس ق.م نجد ان الملك اشور بانيبال يتوجه الى الاله ادد اله السماوات والاض ملتمسا: يا من خلقت البش بكلمة نطقت بها، اسالك ان تمكنني من الذود عن نفسي وتمنحني حكمك العادل بك اتوسل، فتقبل ضراعتي وابتهالي ، استجب لصلواتي، واغفر لي خطاياي ونجني من الشرور التي حياتي. هذا الرجاء الديني يلخص قصة الخلق من جهة ، وطبيعة العلاقة بين الانسان ولالهة، من جهة اخرى ويذكرنا الدعاء بصلاة " ابانا الذي في السماوات " التي تعتبر من اهم الصلوات التي اوصى السيد المسيح تلاميذه بحفظها. هكذا نجد ان طقوس عيد اكيتو تنطوي على دلالات فلسفية وارهاصات فكرية، تركت بصماتها عميقا على معظم الفكر الديني والميثولوجي للشرق القديم. وقد جاء التقويم الاشوري تعبيرا عن ضوابط الفعل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والديني (الايديولوجي ) في المجتمع الاشوري قديما . ومن هنا تبرز اهمية الاول من نيسان بصفته رمزا عظيما في المجتمعات الاشورية القديمة . والاحتفال به عيدا اشوريا قوميا هو بحق احتفال بالطبيعة والالهة والانسان معا: فهم ثلاثة اقانيم في واحد، هو الوجود الكوني، وقد عمل الانسان الاكادي –البابلي – الاشوري على مد الجسور فيما بين هذه الاقانيم الثلاثة ، مفصحا عن العلاقة التاريخية بين الله وا لانسان اولا، وعن العلاقة العضوية بين الانسان والطبيعة ، ثانيا: وهكذا فقد تميز الفكر الاسطوري الاكادي بنزعة تجمع بين الفكر المادي والمثالي، بين النظرة الموضوعية والرؤية الميتافيزيقية الى الكون والانسان. اذا كان الاول من نيسان ، بما يحمله من دلالات – دينية ،فلسفية ،- اسطورية اكادية –بابلية تلخص قصة الخلق والتكوين ،فقد بات اليوم ، بما ينطوي عليه من قيم انسانية ودلالات حضارية وبما له من خصوصية تاريخية واجتماعية عيدا اشوريا قومياكبيرا ،يحتفل به الشعب الاشوري في سوريا وباقي مناطق بلاد ما بين النهرين بين احضان الطبيعة بعيدا عن معابد الاوثان ليجعل من هذا الاحتفال مناسبة قومية ووطنية حقيقية يؤكد من خلالها اعتزازه بانتمائه الى تاريخه الاكادي –البابلي –الاشوري السرياني والى وطنه سوريا ، ويجعل من الطبيعة منبرا حرا يعلن منه وجوده القومي

الهوية الأيديولوجية لحركة حرية الكرد PKK

يعتبر الأخلاق المقياس الأساسي في الهوية الأيديولوجية

الدفاع الذاتي

الدفاع الذاتي احد أهم الأركان الرئيسية في بناء الأمة الديمقراطية

تل ابيض

تل ابيض تعيش الآن أجمل للحظاتها في الحرية والسلام وستكون أجمل بكل مكوناتها القاطنة فيها

2017 © Partiya Karkerên Kurdistan (PKK)
[email protected]