18.12.2017

الصَّهر و الإبادة

فالمجموعةُ المنصهرةُ التي جُزِّئَت هويتُها الذاتيةُ وكُسِرَت شوكةُ مقاومتِها تغدو حشداً من العبيدِ الأنسب لخدمةِ النخبةِ الحاكمة

 

 


 

القائد عبد الله اوجلان 

يُعَبِّرُ الصَّهرُ عن العلاقةِ أو الممارسةِ أحاديةِ الجانب، التي تلجأُ إليها احتكاراتُ السلطةِ ورأسِ المالِ في مجتمعاتِ المدنية، وتُطَبِّقُها على المجموعاتِ الاجتماعيةِ التي أَخضَعَتها لنيرِ العبوديةِ بغرضِ إسقاطِها إلى مستوى امتدادٍ لها أو مُلحَقٍ بها. إنّ الأمرَ الأساسيَّ في الصهرِ هو تكوينُ العبيدِ بأقلِّ التكاليفِ من أجلِ آليةِ السلطةِ والاستغلال. فالمجموعةُ المنصهرةُ التي جُزِّئَت هويتُها الذاتيةُ وكُسِرَت شوكةُ مقاومتِها، تغدو حشداً من العبيدِ الأنسب لخدمةِ النخبةِ الحاكمة. الوظيفةُ الأساسيةُ للعبدِ المصهورِ هنا، هي التشبُّهُ المطلقُ بسيدِه، ومُحاكاتُه إياه، وإثباتُ الذاتِ ببذلِ شتى أنواعِ الجهودِ في سبيلِ التحولِ إلى مُلحَقٍ وامتدادٍ له، وتأمينُ مكانٍ لذاته داخل النظامِ القائمِ بناءً على ذلك. ولا خَيار آخر أمامه إطلاقاً. فالخَيارُ الوحيدُ المعروضُ أمامه للتمكنِ من العيش، هو التخلي لحظةً قبلَ أخرى عن هويتِه الاجتماعيةِ القديمة، وتكييفُ ذاتِه بأفضلِ الأشكالِ مع ثقافةِ أسيادِه. لذا، فالمجتمعُ المارُّ من الصهر، يتألفُ من مشروعِ أناسٍ عديمي الضميرِ والخُلُقِ والذهنية، ويتبارَون ليكونوا الأكثر طاعةً وخنوعاً وعملاً وخدمة. وما مِن قرارٍ يتخذه هؤلاء أو ممارسةٍ يقومون بها بحرية. بل فُرِضَت عليهم خيانةُ كافةِ قِيَمِ هويتِهم الاجتماعية، واختُزِلوا إلى حيواناتٍ بهيئةِ بشرٍ لا هَمَّ لهم سوى إشباع بطونهم. هذا وتستخدمُ النخبةُ الحاكمةُ سلاحَين أساسيَّين لفرضِ اللاهويةِ هذه على المجتمعِ المصهور: أولُهما؛ العنفُ الجسديُّ المحض. أي، التلويحُ بسيفِ الإبادةِ والهَلاكِ لدى أبسطِ تمردٍ أو انتفاض. ثانيهما؛ تركُهم وجهاً لوجهٍ أمام المجاعةِ والبطالة. حيث يُعمَلُ على تنفيذِ هذا القانونِ الفولاذيّ: إذا أصَرَّيتَ على التشبثِ بهويتِكَ الثقافية، وإذا لَم تصبحْ خادماً على النحوِ الذي يشاؤُه سيدُك؛ فإما أنْ يَذهبَ رأسُك، أو تبقى جائعاً!الآليةُ الأساسيةُ التي تُطَوِّرُها النخبةُ الحاكمةُ في سبيلِ ذلك، هي سدُّ جميعِ طرقِ التطورِ البنيويِّ والعقليِّ والثقافيّ، بغرضِ عجزِ المنشغلين بكلِّ ما هو معنيٌّ بالثقافةِ المصهورةِ –أياً كانوا– عن إيجادِ أيةِ فرصةٍ للعيشِ في المجتمعِ الرسميّ. ومهما كانت درجةُ الكفاءةِ والمهارةِ لدى الشخصيةِ أو المجموعةِ أو المؤسسةِ التي تَعقِدُ العلاقةَ مع الثقافةِ المصهورةِ وتَرمي إلى إحيائِها، فإنّ جميعَ أبوابِ الدولةِ تُوصَدُ في وجهِها. كما تُتَّخَذُ مختلفُ التدابيرِ اللازمةِ لطردِها من ميادينِ المجتمعِ الخارجِ عن إطارِ الدولة، سواء بالأساليبِ السريةِ أم العلنية، المرنةِ أم القاسية. أما الشخصياتُ والمؤسساتُ المهتمةُ بالثقافةِ المصهورةِ بمنوالٍ هاوٍ وغِرٍّ في البداية، ولدى إدراكِها مع مُضِيِّ الوقتِ أنّ الأمرَ لا يقتصرُ فقط على إغلاقِ كافةِ الأبوابِ في وجهِها، بل وقد يتعرضُ وجودُهم الجسديُّ للخطرِ أيضاً في حالِ إصرارِهم على خُطاهم؛ فإما أنْ تنخرطَ بين صفوفِ مجتمعِ الدولةِ القوميةِ المهيمنةِ والصاهرة، أو أنْ تُغَيِّرَ أساليبَها بحثاً عن الخلاصِ في الشخصيةِ المتصديةِ والتنظيمِ المقاوِمِ بفعالية. وثمة عددٌ لا يُحصى في هذا المضمارِ ضمن جميعِ كياناتِ الدولةِ القوميةِ للحداثةِ الرأسمالية. لا تُطَبَّقُ هذه الآليةُ المذكورةُ على المجموعاتِ الأثنيةِ والشعوبِ المسحوقةِ فحسب، بل إنّ المجموعاتِ الأثنيةَ المختلفةَ والطبقاتِ المسحوقةَ من الأمةِ التي تنتمي إليها النخبةُ الحاكمةُ أيضاً تنالُ نصيبَها من الصهر، وتبقى وجهاً لوجهٍ أمام فُقدانِ لهجاتِها الأثنيةِ وقِيَمِها الثقافيةِ الصامدةِ حرةً.يُشَكِّلُ الشعبُ الكرديُّ مثالاً صارخاً في هذا السياق، كونَه الضحيةَ الأكبرَ للصهرِ في الشرقِ الأوسط. فالإصرارُ على الكردايتية، يعني تحمُّلَ سياقٍ يبدأُ بالتخبطِ في البطالة، ويصلُ حدَّ التطهيرِ العِرقيِّ والإبادة. فأيّما كانت المهاراتُ التي يتحلى بها فردٌ كرديٌّ ما، فإذا لم يَهضمْ طوعاً شتى أنواعِ السياساتِ الثقافيةِ التي تتَّبِعُها الدولةُ القوميةُ المسيطرة، فستُوصَدُ على التوالي جميعُ الأبوابِ أمام تطورِه الشخصيِّ والمؤسساتيّ. فإما أنْ يختارَ الاستسلامَ طوعاً ليَرى كيف تُفتَحُ له الأبوابُ البالغةُ مرتبةَ تَسَنُّمِ منصبِ رئاسةِ الجمهورية، أو أنْ يَعرفَ كيف يتحملُ كافةَ أنواعِ البلاءِ والكوارثِ التي ستحلُّ به، والتي ستصل حدَّ التطهيرِ والإبادةِ في حالِ اختارَ المقاومةَ وعدمَ الاستسلام.الإبادة:تَهدفُ الإبادةُ، التي هي بمثابةِ امتدادٍ لظاهرةِ الصهر، إلى التصفيةِ التامةِ جسدياً وثقافياً للشعوبِ والأقلياتِ وجميعِ أنواعِ الجماعاتِ والمجموعاتِ الدينيةِ والمذهبيةِ والأثنيةِ التي صَعُبَ تذليلُها بأسلوبِ الصهر. حيث يُفَضَّلُ أحدُ هذَين الأسلوبَين حسبما يتوافقُ معه الوضع. فيُطَبَّقُ أسلوبُ الإبادةِ الجسديةِ عموماً على المجموعاتِ الثقافيةِ التي هي في منزلةٍ أعلى حسب ثقافةِ النخبةِ الحاكمة، أي حسبَ ثقافةِ الدولةِ القومية. والمثالُ النموذجيُّ على ذلك هو الإباداتُ الجماعيةُ وعملياتُ الجينوسيد المُطَبَّقةُ على الثقافةِ اليهوديةِ والشعبِ اليهوديّ. فنظراً لكونِ اليهودِ يشكِّلون على مدى التاريخِ الشرائحَ الأمنعَ والأقوى في ميدانِ الثقافتَين الماديةِ والمعنويةِ على السواء، فقد تعرَّضوا دوماً للضرباتِ والإباداتِ على يدِ الثقافاتِ المضادةِ المهيمنة، وطالَتهم مِراراً عملياتُ التطهيرِ المسماةُ بالمذابحِ المنظَّمة.أما الإباداتُ الثقافيةُ التي هي ثاني أسلوبٍ في الإبادة، فغالباً ما تُطَبَّقُ على الشعوبِ والمجموعاتِ الأثنيةِ والجماعاتِ العقائديةِ التي هي في وضعٍ واهنٍ ومتخلفٍ مقارنةً مع ثقافةِ الدولةِ القوميةِ والنخبةِ الحاكمة. وبالإبادةِ الثقافيةِ التي تُعَدُّ آليةً أساسية، يُرامُ إلى تحقيقِ التصفيةِ التامةِ لتلك الشعوبِ والمجموعاتِ الأثنيةِ والدينيةِ ضمن بوتقةِ ثقافةِ ولغةِ النخبةِ الحاكمةِ والدولةِ القومية، ويُسعى إلى القضاءِ على وجودِها بإقحامِها في مكبَسِ كافةِ أنواعِ المؤسساتِ الاجتماعية، وعلى رأسِها المؤسساتُ التعليمية. الإبادةُ الثقافيةُ شكلٌ من أشكالِ التطهيرِ العِرقيِّ أكثر مخاضاً مقارنةً مع الإبادةِ الجسدية، وتمتدُّ على سياقٍ طويلِ الأَمَد. والنتائجُ التي تُفرِزُها أفظَعُ مما عليه الإبادةُ الجسدية، وتُعادِلُ أكبرَ أنواعِ الفواجعِ مما قد يَشهدُه شعبٌ (أو مجموعةٌ ما) في الحياة. ذلك أنّ الإرغامَ على التخلي عن وجودِه وهويتِه وعن جميعِ المُقَوِّماتِ الثقافيةِ الماديةِ والمعنويةِ الكائنةِ في طبيعةِ مجتمعِه، يُعادِلُ الصَّلبَ الجماهيريَّ الممتدَّ على مرحلةٍ طويلةِ المدى. يستحيلُ الحديثُ هنا عن العيشِ في سبيلِ القيمِ الثقافيةِ المُعَرَّضةِ للإبادة، بل لا يُمكنُ الحديثُ سوى عن التأوُّهِ والأنين. فالألمُ الأصليُّ الذي تتسببُ به الحداثةُ الرأسماليةُ لكلِّ الشعوبِ والطبقاتِ المسحوقةِ والمتروكةِ عاطلةً عن العملِ بُغيةَ تحقيقِها ربحَها الأعظميّ، لا ينبعُ من استغلالها إياها مادياً وحسب؛ بل هو ألمٌ يُجتَرُّ بسببِ صَلبِ جميعِ قِيَمِها الثقافيةِ الأخرى. ذلك أنّ الاحتضارَ على الصليبِ هو الحقيقةُ التي تَشهدُها كافةُ القيمِ الثقافيةِ الماديةِ والمعنويةِ الخارجةِ عن الثقافةِ الرسميةِ للدولةِ القومية. وبالأصل، يستحيلُ تحويلُ البشريةِ والبيئةِ الأيكولوجيةِ إلى مصدرٍ للاستغلال، وتعريضُها بالتالي للنَّفاذ، فيما خَلا ذلك من أساليب.يمثِّلُ وضعُ الكردِ أكثرَ أمثلةِ الإبادةِ الثقافيةِ مأساويةً ولفتاً للأنظار. فبينما يُفرَضُ اجترارُ الألمِ على الشعبِ الكرديِّ ضمن آليةِ الصَّلبِ التي تَنصبُها الدولُ القوميةُ المسيطرةُ وتُسَلِّطُها على جميعِ قيمِه الثقافيةِ الماديةِ والمعنوية، فإنّ مواردَ الغِنى، التحتيةَ منها والفوقية، والزخمَ الاجتماعيَّ بأكملِه –وعلى رأسِه قِيَمُ الكدح– يُعَرَّضُ للسلبِ والنهبِ المكشوفَين، ويُترَكُ الباقي يواجهُ الانمحاءَ والبطالةَ والعطالةَ والتفسخ، ويُجعَلُ قبيحاً، ويُقحَمُ في وضعٍ لا يُطاقُ وبمنأى عن النظرِ إليه. وكأنه لَم يَبقَ سوى طريقٌ واحدٌ أمام الإنسانِ الكرديّ: الانصهارُ في بوتقةِ الدولةِ القوميةِ المهيمنة، والتخلي كلياً عن قيمِه الأساسية! ولا سبيل للحياةِ فيما عدا ذلك. ويبدو فيما يبدو، أنّ إبادةَ الكردِ ثقافياً، والتي قد تَصِلُ بين الحينِ والآخرِ حدَّ الإبادةِ الجسدية، تتصدرُ لائحةَ الأمثلةِ الأكثر مأساويةً ولفتاً للنظرِ في الإشارةِ إلى حقيقةِ الحداثةِ الرأسماليةِ بكلِّ سطوعٍ وجلاء.

لأدب الثوري

الأدب لغة الواقع.

حل العصرانية الديمقراطية في أزمة الشرق الأوسط

يَكفي فقط التحلي بكرامةِ وعزّةِ العيشِ في بلدٍ حرٍّ ومجتمعٍ ديمقراطيِّ لدرجةِ العشقِ والهيام

دبلوماسية الأمة الديمقراطية

إنّ دبلوماسيةَ الأمةِ الديمقراطيةِ وسيلةٌ لتكريسِ السلمِ والعلاقاتِ المفيدة لا لإشعالِ فتيلِ الحروب

2017 © Partiya Karkerên Kurdistan (PKK)
[email protected]